على الوهم المرجوح ، وبهذا ينفتح أمامنا سبيلٌ للوصول إلى أحكام الله في دائرة الفراغ ( المجهولات ) ، وهو اعتماد ما نصل اليه بالظنّ الآتي من أيّ سبيل ، فالدولة أو الأمّة تقوم بوضع سلسلة قوانين تراها الأفضل لإدارة القضايا الحادثة ، ثمّ يحصل ظنّ بأنّ هذه الصيغ القانونيّة هي المرادة إلهيّاً ، والظنّ حجّة هنا بدليل الانسداد ، فتكتسب هذه الصيغ حجيّتها وتكون ملزمة شرعاً .
ومن الواضح أنّ هذا الانسداد هنا ليس هو الانسداد الكبير الذي طرحه علماء أصول الفقه ؛ لأنّ المفروض أنّ باب العلم والعلميّ في غير دائرة المجهولات - وهي مساحة واسعة - منفتحٌ ، كما أنّه ليس هذا الانسداد على غرار الأشكال الأخرى لتطبيق الانسداد الصغير ، مثل الانسداد في دائرة الأخبار الموجودة في الكتب الحديثيّة ، بل هو نوعٌ آخر من الانسداد الصغير الخاصّ بدائرة المجهولات ، وهو غير منحلّ بالعلم بالتشريعات في دائرة المنصوصات ؛ لأنّ الدائرتين منفصلتان عن بعضهما ، والوصول إلى أحكام دائرة المنصوصات لا يُلغي بقاء العلم الإجمالي بالأحكام الملزمة في دائرة المجهولات ، ومن ثمّ فنحن أمام انسداد صغير يحظى بمنطقيّة عالية .
وبهذا كلّه يمكن تكييف موقف شمس الدين في عدم أخذه بالأصول العمليّة في دائرة المجهولات ؛ حيث قد يلاحَظ عليه بأنّ نظريّته غريبة عن مناخ أصول الفقه الإمامي الذي يعتقد أنّ النصوص التي بين أيدينا وما نملكه من مستندات قانونيّة للاجتهاد الشرعي قادر على تغطية مجالات الحياة ، من خلال ثنائي الأدلّة الاجتهادية والفقاهتيّة أو الأدلّة المحرزة والأصول العمليّة ؛ فإذا كانت الأمارات لا تغطّي الوقائع فإنّ الأصول العمليّة تغطّيها طبقاً للتقسيم الرباعي الحاصر لهذه الأصول في الاجتهاد الإمامي ( البراءة والاحتياط والاستصحاب والتخيير ) ، فلماذا تجاهل الشيخ شمس الدين الأصول العمليّة من حساباته كونها تنتج أحكاماً ظاهريّة على غرار الأمارات ؟ ! وما هو موقفه من هذا النسق الاجتهاديّ ؟
أعتقد أنّ شمس الدين كان يسير خلف الأدلّة المحرزة ، ولم يأخذ بالحساب مسألة الأصول العمليّة ، وعلى هذا الصعيد تكون خطوته متقدّمةً ؛ لأنّ الفقهاء حتى في العصر الحديث استطاعوا الإحساس بالإطلاقات والعمومات التي تستوعب الوقائع الحادثة والنوازل
شمول الشريعة — صفحة 440
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٤٠