واما استبعاد العبادات من الدائرة الزمكانيّة ، فلم نجد له منطلقاً فلسفيّاً ، وقد تحدّثنا عن هذا الموضوع في محلّه أيضاً « 1 » ، فما الذي يميّز العبادات بعد أن كان ثبوتها بالسنّة القولية والفعليّة والتقريرية على نسق ثبوت قضايا غير عباديّة ؟ ! بل يمكن القول : إنّ القضايا غير العباديّة التي تعرّض لها القرآن الكريم كثيرةٌ ، يفوق عدد آياتها آيات العبادات ، من الجهاد والحرب والسلام والنكاح والطلاق والدَّين والعقود والتجارات وفصل الخصومات وغير ذلك .
أ - فإذا كانت المفاضلة النصّية هي معيار الثبات العبادي ، فإنّ الأمر ليس كذلك .
ب - وإذا كانت سيرة المسلمين وعملهم ، فهذا لا ينفي التغيّر عند ظهور موجبه ؛ لأنّه لم يظهر موجبُه في القرون الأولى .
ج - وإذا كان المرجع هو غياب الرؤية حول أسرار تشريع العبادات على خلاف المعاملات ، فهذا وإن صحّ في الجملة ، لكنّ الكثير جداً من القضايا المعامليّة تظلّ هي الأخرى مجهولة الملاك والسرّ ، لا سيما قضايا الطلاق والعدد والحدود وحجم العقوبات فيها ، وفي المقابل فإنّ العبادات نفسها أيضاً تقبل في الجملة التفسير العقلاني المحتمل على غرار المعاملات ، كما فعل العرفاء والأخلاقيّون والمتصوّفة وبعض الكتّاب المتأخّرين في العالم الإسلامي ، ولا نريد أن نطيل .
بل حتى لو فرضنا أنّنا أدركنا - باستقراء أحكام العبادات - أنّها كلّها غير تاريخيّة ، فهذا لا ينتج الملازمة والضرورة ، بل هو ينتج ذاته فقط ، ويحتاج لإثبات ذاته بالتفصيل الجزئي .
نكتفي بهذا القدر من تحليل ونقد نظريّة العلامة محمّد مهدي شمس الدين ، وبهذا نكون قد استعرضنا الاتجاهات الأساسيّة للخطّ الذي يؤمن بالشموليّة المدرسيّة من جهة ، وفي الوقت عينه يقدّم رؤيته لتصوير هذه الشموليّة تصويراً معقولًا بما يتوافق ويحقّق إدارة المتغيّرات وتغطية المستجدات .
هامش
( 1 ) انظر : حيدر حب الله ، دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر 2 : 503 - 507 .