في كيفيّة التقنين البشري .
ثم كيف اعتبر شمس الدين وظيفة الفقيه هنا هي اكتشاف الحكم الشرعي الواقعي مع أنّه في البحث نفسه اعتبر قوانين منطقة الفراغ تدبيرات وقَبِلَ بتوصيفها بأنّها أحكام ولايتيّة لأنّها نتيجٌ للولاية والحاكميّة ، وهو مصطلح يقف في مقابل الأحكام الإلهيّة . والملفت أنّ مبادئ التشريع العليا عنده ليست أحكاماً إلهيّة ولا منشأ لأحكام إلهيّة ، ثم هو يرى أنّ الفقيه يريد منها الوصول إلى الحكم الشرعي الواقعي ! وإذا قصد من كلمة ( الشرعي ) هنا ما يقابل غير المشروع ، لا ما يندرج في الشريعة ، عاد إشكال عدم الشموليّة المتقدّم .
أعتقد أنّ هناك تشويشاً كبيراً في هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد من الاشتغال والتحليل ، وكأنّ نقطة الارتكاز تكمن في أنّ شمس الدين بخلعه صفة التدبير على الحكم أو على الصيغ التنظيميّة ، تصوّر أنّه حلّ المشكلة ؛ فالتدبير صفة ذات صلة بالإدارة والولاية ، ولهذا فالحكم ولائي ، لكنّ هذا لا ينفعنا في شيء ، فما دامت الوظيفة اكتشافيّةً فهذا يعني أنّنا بتنا مطالبين بالمزيد من الشفافيّة : هل الصيغة التنظيميّة نفسها التي تتسم بالتدبير الزمني تمثل جزءاً من أصل الشرع أو لا ؟ وهذا السؤال تواجهه الاتجاهاتُ الثلاثة هنا .
وعندما نقول ذلك لا نكون مضطرّين لافتراض أبديّتها ؛ لأنّ كون شيء جزءاً من الشرع لا يفرض التأبيد بالضرورة ، كيف والأحكام المنسوخة حتى في القرآن الكريم تمثل جزءاً من الشرع ، غاية الأمر أنّ الشرع يمكن أن ينقسم إلى قسمين : أحكام تعالج قضايا مستقرّة إلى يوم القيامة ، وأحكام تعالج قضايا مؤقّتة ربما انتهى وقتها وحلّت مكانها قضايا أخرى جعل لها الشرع أحكاماً أخرى ، فليست في هويّة الحكم الشرعي صفة التأبيد ولا هي جزء من تعريفه ، بل ليس في هويّة الحكم الإلهي صفة التأبيد ، بل كلّ شيء ممكن هنا ، وعليه فمجرّد القول بأنّها أحكام تدبيريّة لا يُلغي كونها أحكاماً إلهيّةً ما دمنا نريد الوصول إليها بالاكتشاف ، فهي أحكام إلهيّة لتدبير لحظتي الحاضرة ، وليس لتدبير قضيّة ما على طول الخطّ الزمني ، وحتى نفكّ عنها صفة الإلهيّة لابدّ من رفع خاصية الاكتشاف هنا ، والاعتراف بأنّها بشريّة تستجيب للقواعد الشرعيّة ولا تعارضها وتأتي في سياق منسجم مع روحها وأغراضها وغاياتها ، فهذا التعبير أكثر وضوحاً ومطابقةً للواقع ، لكنّ شمس الدين تحذّر من مثل هذه التعابير ؛ كي لا يصطدم - فيما يبدو - مع عدم شموليّة الشريعة ، ولو أنّه أنكر من الأوّل شموليّة الشريعة لكان ذلك أسهل
شمول الشريعة — صفحة 437
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٣٧