تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
الشرعيّة لهذه الصيغ التنظيميّة ، ولهذا اعتبر أنّ سلطة التشريع العليا هي سلطة اكتشافيّة ، في حين لم يعتبر الشيرازي سلطةَ وضع المقرّرات الإدرايّة سلطةً تشريعيّة اكتشافيّة ، وبهذا ضاعف شمس الدين من الضغط الذي سوف يواجهه ؛ إذ صار عليه أن يجيبنا بأنّه إذا كانت الشريعة كاملةً شاملة فلماذا يطلب من المجتمع نفسه أن يقوم بسنّ الصيغ التنظيميّة ؟ وكيف نجمع بين قيام الشريعة باعتماد هذه الصيغ وبين كون هذه الصيغ مجرّد محاولات بشريّة ؟ ! الملاحظة الثانية : إنّ ما سمّاه الشيخ شمس الدين بمبادئ التشريع العليا ، مثل مبدأ حفظ النظام ، ومبدأ الأخوة الإسلامية ، ومبدأ الدفاع عن المجتمع الإسلامي ، ومبدأ عدم إفناء الحيوان ، ومبدأ الحفاظ على الطبيعة وغير ذلك . . لماذا لم يعتبره أحكاماً إلهيّة وإنّما اعتبره مبادئ منهجيّة ؟ وبكلمة أخرى : لماذا سلب شمس الدين عن هذه المبادئ صفتَي : الأحكام ، والإلهيّة ؟ لو أنّ الشيخ شمس الدين اعتبرها أحكاماً إلهيّة ذات طابع قواعدي ، لكان الأمر أسهل له ، حيث سيمكنه اعتبار مساحاتها داخلةً في ضمن ما أسّسته الشريعة ، ومن ثم تكون التقنينات البشريّة مجرّد وسائل وصيغ تنظيميّة لتنفيذ هذه الأحكام الإلهيّة ، وسيكون الشيخ شمس الدين مندمجاً هنا مع النظريّة المدرسيّة أو على أبعد تقدير مع نظريّة المرجعيّة الإنسانيّة المساعدة ، وإذا كان شمس الدين يريد بذلك جعلها أساساً لسنّ قوانين فإنّ جعلها أحكاماً لا ينافي جعلها في الوقت عينه أصولًا تحتيّة يمكن بناء صيغ مختلفة للوفاء بها والاستجابة لمتطلّباتها ، وإذا كانت طبيعتُها الإمضائيّة في الغالب هي المانعُ ، فهذا يعني أنّ على شمس الدين أن يُخرج من دائرة الأحكام كلَّ الأحكام الإمضائيّة ، وليس خصوص الأحكام التدبيريّة وفقاً لتصنيفه المتقدّم للأحكام . أعتقد أنّ الشيخ شمس الدين أدرك أنّه لو جعلها أحكاماً لصارت الصيغ التنظيميّة مجرّد تطبيقات لها ، مع أنّه يعي تمام الوعي بأنّ الصيغ التنظيميّة ليست مُخْرَجات مباشرة لهذه الكليّات والقواعد القانونيّة ، بل هناك فاعل قوي مشارك هنا وهو الإنسان الذي يقوم بوضع الصيغ التنظيميّة . لقد اكتشف شمس الدين - وقبله تيار المرجعيّة الإنسانيّة المساعدة - أنّ مشاركة الإنسان في صنع القانون لا ينبغي إنكارها ، لهذا لم يقدر على اعتبار الصيغ القانونيّة منكشفةً في النصوص أو حتى في أدلّة التشريع العليا ، ولكي يجمع بين كلّ هذه المعطيات وقع في كلّ هذه المشاكل .