المداخلة الخامسة : اضطراب النظريّة في من يملك سلطة التشريع في الدوائر الأربع
لقد قدّم لنا الشيخ شمس الدين أربعة مجالات لنطاق منطقة الفراغ هي : الموضوعات ، والتصرّف بالنفس ، والتنظيمات ، والعلاقات ، وجعل الأولى والثانية تحت سلطة الفقيه فيما جعل الثالثة والرابعة لممثلي الأمّة ، مبرّراً بأنّ الأولى والثانية تشريعها من سنخ الحكم الشرعي الإلهيّ ، وغالباً ما يكون تشريعها عبر العناوين الثانويّة ، فيما الثالثة والرابعة مجرّد صيغ تنظيميّة إجرائية ثبت فيها ولاية الناس على أنفسهم .
وهذا الذي قدّمه الشيخ يحوي بعض المفارقات ، فإذا كانت هذه الأربعة هي منطقة الفراغ حسب الفرض ، ومنطقة الفراغ تكون المرجعيّة فيها للأصول العامّة للاستنباط إلى جانب المبادئ العليا للتشريع ، فكيف تارةً جعل العبرة بمنصب الولاية دون النبوّة والإمامة والفقاهة ، وأخرى فصّل بين الدوائر الأربع فأعطى اثنين لمنصب الفقاهة ، واثنين لمنصب الولاية ، وثالثة يرجع الحكم إلى الفقيه كلّياً دون تفصيل ، بل اعتبر سلطة التشريع كلّها للفقيه . . ؟ ! إنّ هذا الاضطراب والتشويش ملاحظٌ على نظريّة الشيخ شمس الدين في هذا الموضوع .
المداخلة السادسة : مفارقة كشف الحكم الواقعي من خلال المبادئ التشريعيّة
عندما سأل الشيخ شمس الدين نفسه سؤالًا عن وظيفة من يملك سلطة التشريع ، هل هي الاكتشاف أو التقنين ؟ اعتبر أنّه بناء على التخطئة وقاعدة الشمول اللتين يؤمن هو بهما ، يفترض القول بالاكتشاف ، غاية الأمر أنّ هذا الاكتشاف لا يكون عبر نصّ شامل بالعموم أو الخصوص ، بل السعي لمعرفة الحكم الواقعي عبر أدلّة التشريع العليا .
هذا الكلام يبدو لي في غاية الالتباس ؛ فإذا حذفنا النصوص في دلالاتها العامّة والخاصّة وأخذنا المبادئ التشريعية العليا التي لم يعتبرها شمس الدين ضمن دائرة النصوص الدالّة ولو بالعموم على منطقة الفراغ ، ثم آمنّا - كما أقرّ شمس الدين نفسه - بعدم معرفتنا بالمفاسد والمصالح الواقعيّة للأحكام ، والمفروض أنّنا نقول بالتخطئة ، فكيف السبيل إلى الحكم الشرعي الواقعي ؟ ! كان مهماً لو قدّم لنا شمس الدين صورةً واقعية - ولو عبر مثال - لكيفيّة الوصول إلى الحكم الشرعي الواقعي بالاجتهاد الاكتشافي في هذه الحال وفي ظلّ هذه الظروف ، وليس فقط