تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١

المداخلة الثالثة : مشكلة التضارب في دوائر الفراغ التشريعي الثلاث

صوّر لنا العلامة شمس الدين المجالات الممكنة أوّليّاً لمنطقة الفراغ التشريعي بأنّها الإلزامات والمباحات والمجهولات ( مبادئ التشريع العليا ) ، معتبراً أنّ الإلزامات لا معنى للفراغ فيها ، حيث قد تمّ التشريع فيها بعنوانها الأوّلي ، نعم ، قد تعرضها العناوين الثانويّة . وهذا الكلام من شمس الدين فيه قدرٌ من الغموض ؛ إذ كيف عرف أنّه لا فراغ فيها ؟ وما معنى الفراغ عنده هنا عندما ينفي وجوده ؟ إذا قصد من نفي الفراغ أنّ الأشياء بعناوينها الأوّلية التي تستدعي إلزاماً واقعيّاً قد تمّت تغطيتها بالإلزامات الصادرة من الشارع سبحانه وتعالى ، فهذا صحيحٌ بعد إثبات قاعدة الشمول ، لا أنّه بذاته ولكونه بالعنوان الأوّلي يكون صحيحاً ؛ إذ كيف عرفنا الشمول فيها وانتفاء الفراغ ؟ من هنا يبدو لي أنّ شمس الدين يريد بنفي الفراغ أنّ الصيغ التشريعيّة التي جاءت في قضايا الإلزامات لا تَدَع للمجتهد مجالًا لأن يمارس تقنيناً في داخلها ؛ لأنّ الشريعة قدّمتها بعنوانها الأوّلي ، لا أنّها وضعت صيغاً عامة فيما تركت التنظيمات لعقل المجتهد ، كما هي الحال في نطاق المبادئ التشريعيّة العليا التي يضطرّ فيها الفقيه إلى تقديم صيغ تنظيميّة ذات طابع تقنيني . وهذا المعنى الذي يقصده الشيخ شمس الدين هو الذي جعله يرفض منطقة الفراغ في دائرة المباحات ، خلافاً لما فعله السيد الصدر ، ولهذا حصر إطار التصرّف في دائرتي المباح والإلزام بالعناوين الثانويّة ، خلافاً لدائرة الفراغ التي يرجع فيها إلى المبادئ التشريعيّة العليا . إلا أنّ الشيخ شمس الدين يواجه هنا سؤالًا مركزيّاً ، وهو أنّ الصيغ التنظيميّة التي سيقدّمها المجتهد في دائرة الفراغ ( المجهولات ) سوف تصادم إلزاماً أو إباحةً ما ، فعندما نواجه قضايا النموّ السكّاني فنحن نفرض قوانين ، وهذه القوانين تحدّ من الحريّات الشخصيّة بإقرار شمس الدين ، وهنا نسأل : أليس الحدّ من هذه الحريّات تصرّفاً - في جوهره - بدائرة المباح الواردة في الشرع في أن يُنجب الإنسان ما يشاء من أطفال ؟ أليست هي إلزاماً ؟ إنّ هذا يعني أن الحادَّ من الحريّات هو العنوان الثانوي الذي له وحده الحقّ في تغيير المباحات والإلزامات عند شمس الدين ، ومن ثمّ فهذا يفترض أنّ العنوان الثانوي هو المرجع