إلى جميع المعتزلة لم تصحّ ، كيف والحُسن أو القبح عندهم في مرتبة الذات فما فيه حسنٌ واقعي هو الواجب لا يمكن أن يكون محرّماً ، وما فيه القبح الواقعي فهو محرّم لا غير ولا ينقلب الحسن والقبح الذاتيان ، وإذا كان كلّ مجتهد مصيباً فالحقّ عندهم متعدّد ، فعلى كلّ من أدّى اجتهاده إلى حكم فهو الحكم ، وإذا أدّى رأي آخر إلى آخر فهو الحكم عليه . . لكن اختلفوا في أنّ تلك الحقوق متساوية - كما هو الظاهر على ذلك التقدير - أو أحدها حقّ ، وهو القول الأشبه . . « 1 » .
وهذا يعني أنّ نظريّة التصويب يمكنها - نظريّاً - أن تتكيّف مع شموليّة الشريعة ولا تؤمن بنظريّة الفراغ بالشكل الذي يناسب بنيتها الفكريّة ، فكان يفترض أن يذهب شمس الدين نحو تحليل بِنية هذه النظريّة للوصول إلى إمكاناتها الذاتيّة وعدم نسبة نفي الشمولية إليها مطلقاً ؛ ولذلك لم نقبل سابقاً - في الفصل الأوّل - باعتبار اتجاه المصوّبة كلّه خرقاً لإجماع المسلمين في قضيّة الشموليّة ، فراجع .
إلا إذا قيل بأنّ أزليّة الحكم الإلهي يكن تصوّرها متعلّقةً بما وصل إليه ظنّ الفقيه ، لكنّها لا تشمل ما لم يصل إليه ظنّ الفقيه ، فقبل الاجتهاد ومن دونه لا معنى لوجود حكم إلا على التقرير المعتزلي - كما يقال - للتصويب ، وهو التصويب بالحدّ الأدنى له كما سمّيناه من قبل ، وبهذا تظلّ نظريّة التصويب الأشعري - كما تسمّى في بعض الأوساط - منسجمةً مع عدم الشموليّة .
أمّا على نظرية التخطئة ، فإنّها بذاتها لا تستدعي الشمول ؛ لأنّه من الممكن أن تكون الشريعة شاملة لتسعين في المائة من وقائع الحياة فقط ، وأنّ هذه التسعين يجتهد الفقهاء فيها فيصيبونها وقد يخطؤونها .
وهذا يعني أنّ نظريّة شمول الشريعة سابقة في المرتبة على نظريّتي : التخطئة والتصويب ، وليست من نتائجهما كما صوّره العلامة شمس الدين وغيره ، أو على الأقلّ يمكن القبول بكلامه - جزئيّاً - في نظريّة التصويب دون التخطئة .
هامش
( 1 ) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت في أصول الفقه ( المطبوع على هامش كتاب المستصفى للغزالي ) 2 : 618 .