بالنفس ( بيع الأعضاء ) تكون سلطة التشريع للفقيه ، أما في مجال العلاقات ( تحريم التعامل مع إسرائيل ) والتنظيم وتحديد الحريّات ( استيراد السلع وتصديرها ، وإنجاب الأطفال ) فمن يملك سلطة التشريع هو الأمّة عن طريق ممثليها بلا حاجة إلى الفقيه ، وإن كان الأحوط الأولى أخذ نظره دائماً .
والفرق بين الحالتين أنّ التشريع في مجال الموضوعات والتصرّف في النفس من سنخ الحكم الشرعي الإلهي على الموضوعات المنصوصة ، وغالباً ما يكون التشريع فيها من نوع الحكم الثانوي ، على خلاف الحال في مجال العلاقات والتنظيمات ، فهي أمور إجرائيّة ثبت من أدلّة التشريع العليا ولاية الناس على أنفسهم فيها حتى في عصر المعصوم كتنظيم المدن ، وتنظيم السير ، والمراعي ، والسوق ، وحفظ الثروات العامة للجميع وأمثال ذلك .
وإذا انتقلنا من تحديد من يملك سلطة التشريع للحديث عن نوعيّة الحكم المشرّع في دائرة الفراغ ، نجد الاصطلاح الرائج اليوم عند بعضهم في تسميته بالحكم الولايتي أو الولائي ؛ لأنّ مصدره مَنْ هو وليّ الأمر ، وهذا ما يوافق عليه الشيخ شمس الدين ويراه مناسباً لنظريّته ؛ لأنّه يربط السلطة بالولاية ، لا بالنبوّة ولا بالإمامة ولا بالفقاهة ، الأمر الذي ينسجم مع ما اختاره في تعيين من له السلطة على التشريع في مجال العلاقات والتنظيمات .
5 - سلطة التشريع الاجتهادي بين جعل القانون واكتشافه
لكن كلّ هذه المنظومة التي رسمها العلامة شمس الدين لم تُعفه من تحدٍّ أساس يواجهه ، وهو الدور الذي يلعبه من يملك السلطة التشريعيّة هذه - سواء كان فقيهاً أم غيره - فهل دوره تشريعيٌّ بما للكلمة من معنى أو اكتشافيّ كما هي الحال في الفقيه مع الأحكام الأوليّة ؟ وهل هو هنا مجتهد أو مستنبط فقط ؟
القضية هنا تابعة للأصول التحتيّة :
هامش
مهمّة ، خاصّة بين حقبتيه النجفية واللبنانيّة ، وأنّ فترة الثمانينيّات والتسعينيّات من القرن العشرين هي من أكثر الفترات التغييريّة خصوبةً عنده . ومن الجيّد هنا مراجعة - على سبيل المثال - ما كتبه الدكتور حسين رحال حول بعض جوانب هذه القضيّة في كتابه : محمّد مهدي شمس الدين ، دراسة في رؤاه الإصلاحيّة : 60 - 69 وغيرها .