تكوّنت حقّاً هذه السلطات كوكالة الطاقة الذريّة ، ومنظمة الصحّة العالمية ، ومنظّمات حماية البيئة وغيرها ، وهذه السلطات قيّدت حريّة البشر وألزمتهم بما لم يرد في النصوص . . إنّ هذه المجالات هي ما يسمّى بمنطقة الفراغ التشريعي .
3 - كيف يكون الاستنباط في نطاق المجهولات ( الدائرة الثالثة ) ؟
لكنّ السؤال عند شمس الدين هو كيف يكون الاستنباط في هذه الدائرة ؟ وما هي أصوله وأسسه ؟
ولكي يجيب عن ذلك ، ذكر شمس الدين أنّ الأحكام التي تنتج عن الاجتهاد في هذه الدائرة هي أحكام تدبيريّة ، والمرجع فيها إلى الأسس والأصول العامّة للاستنباط بالنسبة للأحكام الإلهيّة ، تماماً كما هي الحال في باب القضاء وفصل الخصومات حيث تنتج تلك الأسس والأصول العامة « الأحكام القضائية » ، لكن هل تكفي الأصول العامّة للاستنباط لإدارة الاجتهاد في الأحكام التدبيريّة ؟
يرى العلامة شمس الدين أنّنا بحاجة لمعايير أخرى أيضاً ، وهي معايير تُستفاد مما يسمّيه شمس الدين بأدلّة التشريع العليا التي تمثل قواعد كلّية من ناحية ومن التجربة المعصومة في أحكامها التدبيريّة الخاصّة من ناحية أخرى في الحالات التي حصل فيها ذلك ، كحالة الحُمر الأهليّة وغيرها ، حيث نأخذ منطلق المعصوم في إصداره الحكم التدبيري - كما في عدم الإفناء للحيوان - لجعله قاعدة ومعياراً عاماً ، وهذه المنطلقات والتعليلات التي تقف خلف الأحكام التدبيريّة للمعصوم ليست عند شمس الدين أحكاماً إلهيّة ، ولا منشأ لأحكام إلهيّة ، بل هي اسسُ أحكامٍ شرعيّة تدبيريّة يرجع أمر النظر في موضوعاتها إلى المجتمع الإسلامي بخبراته وطاقاته . إنّها مبادئ منهجيّة .
عند هذا المفترق ينفصل شمس الدين عن غيره ، فالشيخ شمس الدين يريد أن يقول بأنّ منطقة المجهولات لا نصّ فيها لا بعموم ولا بخصوص ، ولكن في الوقت عينه توجد فيها مبادئ منهجيّة وضعتها الشريعة ، لكنّ هذه المبادئ المنهجيّة لا نقوم نحن باستخراج حكم شرعي إلهي للمجهولات عبرها ، كما يفعل الفقه المدرسي ، بل نقوم بإنتاج أحكام زمنيّة تدبيريّة من خلالها ، وتكون هذه الأحكام منتجةً من قبلنا عبر هذه المبادئ ، فتنتسب الأحكام للشرع