من جهة ، لكنّها تدبيريّة بشريّة من جهة ثانية ، هذا هو تمايز شمس الدين عن غيره .
لنأخذ مثالًا نطرحه نحن لتوضيح فكرة شمس الدين ، وهو أنّ قضايا البيئة اليوم لا وجود لأحكام تنظيميّة لها لا بالخصوص ولا بالعموم في الشرع ، وهذا إقرار قوي من فقيه شيعي إمامي بفكرة ( ما لا نصّ فيه ) ، لكن هل هذا يعني أن نترك الموضوع ؟ لا ، إنّه يعني أنّنا نقوم برصد منهج النبيّ في إدارة الأمور وبرصد الأصول العامّة الدينيّة ، مثل أصل التسخير والعدل وأمثالهما ، فنقوم نحن البشر - بهدي هذه الأصول - بوضع صيغ تنظيميّة تدبيريّة لقضايا البيئة المعاصرة ، وهذه الصيغ تكون من ناحية ذات روح شرعيّة من حيث كونها مستقاة من الأصول ، ولكنّها ليست أحكاماً شرعيّة بالمعنى المتداول ، لكونها صيغاً تنظيميّة بشريّة تدبيريّة زمنيّة ، فالروح الشرعيّة تسري فيها ، لكنّها ليست أحكاماً شرعيّة أوليّة أو ثانويّة ، فكأنّ الشريعة وضعت في يدنا مبادئ وقالت لنا : سنّوا أنتم القوانين الزمنيّة في هدي هذه المبادئ .
4 - من يملك سلطة التشريع الاجتهادي ؟ وما هي هويّة الحكم المشرَّع من قبله ؟
ووفقاً لهذه الخارطة التي صمّمها شمس الدين ، يطرح تساؤلٌ جديد : من يملك سلطة التشريع الاجتهادي في مجالات الفراغ التشريعي ؟
والجواب عنده هو المعصوم ، لكن لا باعتباره نبيّاً يوحى إليه أو إماماً معصوماً ، بل بما له من الولاية والحاكميّة والسلطة السياسيّة ، تماماً كما خوّلته النصوص القرآنية سلطةً من هذا النوع في قوله تعالى :
( إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً )
( النساء : 105 ) ، فالنبيّ يحكم بما أراه الله ، لكن مفهوم ( ما أراه الله ) لا ينحصر بالوحي بالشكل المتعارف بل هو أعمّ منه .
وهذا المقدار من السلطة التشريعيّة واضح ، لكنّ المسألة في من يملك سلطة التشريع في عصر الغيبة أو انقطاع الوحي النبوي أو ما يسمّيه شمس الدين في بعض كتبه بالزمن السياسي للأمّة ؟
والجواب هو الفقيه الجامع للشرائط انطلاقاً من أدلّة حجيّة حكمه وفتواه ، بلا فرق بين القول بولاية الفقيه أو ولاية الأمّة على نفسها ، إلا أنّ حدود هذه السلطة للفقيه هل تختصّ بالموضوعات الخارجيّة ( تحريم استعمال التنباك ) أو تستوعب أيضاً مجال العلاقات ( تحريم