يكون فقيهاً يُفتي فيأخذ وليّ الأمر فتواه ويُلزِم بالعمل بها .
هذا كلّه فضلًا عن بناء حلّهم على نظريّة الولاية العامّة للفقيه ، وأنّ الإسلام يتبلور ويتشكّل في « دولة » ، مع أنّ هذه النظريّة غير صحيحة ، فضلًا عن أنّ مرونة الإسلام لازمة ذاتيّة له ، فهل إذا بطلت الولاية العامّة تفقد الشريعة مرونتها ؟ ! ومن هنا نجد أنّ الشيخ شمس الدين يرى - في موضعٍ آخر « 1 » - أنّه لا ضرورة لكون النظام أو الحكومة إسلاميّين ، بل المهم عنده هو استمرار الإسلام في الأمّة مع وحدة الأمّة ، وأنّ الدولة الإسلاميّة ليست سوى نتيج أو تجلٍّ ينبثق عن الأمّة في علاقتها بالإسلام وليست مفهوماً إسلاميّاً مستقلًا إلى جانب سائر المفاهيم .
وهذا التحليل يرجع بدوره إلى أنّ شمس الدين يحمل رؤية خاصّة لمقولة الأمّة في الاجتماع السياسي الإسلامي « 2 » ، فهو من جهة يدعو الشيعة للتحوّل من فكرة الجماعة إلى فكرة الأمّة ، ويعتبر الدولةَ من جهةٍ ثانية غير مقدّسة - باستثناء مفهوم حفظ النظام العام - بل هي خادم للمقدّس ، بينما الأمّة مقدّسة في الإسلام ، ومدار الإسلاميّة هو الأمّة وليس الدولة ، ولهذا فهو لا يقبل بتعبديّة قضايا السلطة وغيبيّتها ، وهو في الوقت الذي يقبل فيه أنّ المنظومة الإسلاميّة تتجلّى في نظام السلطة ، لكنّه يرفض التفسير الهيجلي للدولة بوصفه الكلّي الذي يختزن كلّ قيمة الفرد وحقيقة وجوده ، وأنّ الوجود القائم في الدولة هو الوجود المتعالي المقدّس ، فالدولة بتعبير هيجل ( 1831 م ) هي الفكرة الإلهيّة أو الروح الأخلاقيّة كما توجد على الأرض . . إنّ شمس الدين يرفض هذا الكلام تماماً ، ويعتبر أنّ المفهوم الهيجلي للدولة بعيدٌ عن الإسلام كلّ
هامش
( 1 ) انظر : في الاجتماع السياسي الإسلامي : 14 - 21 .
( 2 ) يحارب شمس الدين السياسات التي دمّرت في المسلم شعورَه بالانتماء للأمّة وخلقت فيه شعوراً بالانتماء للجماعة أو الطائفة أو المذهب ، كما يعتبر وحدة الأمّة من المقدّسات المتعالية التي تستطيع التقدّم على الكثير من الأحكام الشرعيّة التفصيليّة ، رافضاً إدراجها في السياسات ، بل هو يقترح إدراج مادّة الأمّة الإسلاميّة في مناهج التعليم الابتدائي وصولًا للجامعي ؛ لتكريس علاقة المسلم بالأمّة . انظر في هذا كلّه : حواره مع مجلّة الكلمة ، العدد 5 : 124 - 125 ؛ وكذلك كتاب : دراسات ومواقف في الدين والسياسة والمجتمع 3 : 255 ، 265 - 268 ؛ وراجع : زكي الميلاد ، الفكر والاجتهاد ، دراسات في الفكر الإسلامي الشيعي : 149 - 154 ؛ وفرح موسى ، الشيخ محمّد مهدي شمس الدين بين وهج الإسلام وجليد المذاهب ، دراسة تحليل ومقارنة : 373 - 388 .