وبالتأمّل في هذه النطاقات الثلاثة ، سنجد أنّ الأوّل منها ليس هناك معنى لفرض فراغٍ فيه ؛ لأنّه قد شرّع فيه بعنوانه الأوّلي تشريعٌ فعلي ، نعم قد تعرض عليه العناوين الثانوية فيتغيّر حكمه تبعاً للعنوان الثانوي الثابت في الشرع أيضاً ، وعليه فلا معنى للفراغ هنا أساساً .
وأمّا الثاني منها ، فقد حاول بعضٌ هنا - ويبدو أنّ شمس الدين يقصدُ السيدَ الصدر - جعله منطقة فراغ يرجع فيها إلى سلطة التشريع الاجتهادي التي تحكم فيه من غير مرجعيّة الأحكام الثانويّة ، إلا أنّ هذا الكلام لا معنى له عند شمس الدين ؛ لما سيأتي من أنّ « سلطة التشريع الاجتهادي » لا تسنّ القوانين دون مرجعيّة تشريعيّة في أصل الشرع .
وأمّا الثالث ، أي نطاق المجهولات ، فلو تأمّلنا فيه قليلًا ، لعرفنا السرّ في عدم تعرّض الشريعة له بالعموم أو الخصوص ، فإنّه أمرٌ لم يكن يعرفه البشر ولا يمكنهم التنبّؤ به ، ولم تكن هناك حكمة في كشف الوحي عنه ؛ لأنّ الحكمة تقضي بإطلاق العنان للبشر في تكوين اختياراتهم وعدم حصرهم في قوالب جامدة ، فتركت لهم مجالًا في التطوّر في السيطرة على الطبيعة والذهاب في الفضاء .
لكن هل تخلّت الشريعة عن هذه المساحة حقاً ؟
يرى العلامة شمس الدين أنّ مجال نطاق المجهولات هو كل تقلّبات الإنسان في غير مساحة العبادات ؛ لأنّها توقيفيّة بكلّ تفاصيلها ، وقد لوحظت فيها كلّ التغيّرات التي تطرأ على الحياة . إذاً فمجال الفراغ التشريعي الذي يقرّ بتوصيفه هذا العلامةُ شمس الدين ، هو كلّ وضع جديد لم يرد فيه نصّ مباشر أو قاعدة عامّة من أوضاع البشر التي تحدث نتيجة للتطوّر ونموّ المعرفة والقدرة ، ما يقتضي أشكالًا متطوّرة وجديدة من الضبط والسيطرة والتنظيم للمجتمع والإنسان .
ومن أمثلة ذلك تطوّر الطب وما فتحه على قضايا بيع الأعضاء والوصيّة بها أو التبرّع والتلقيح الصناعي ، وأسلحة الدمار الشامل بأنواعها ، وحكم السيطرة على الفضاء وبعض الكواكب ، ودخولها في ملكيّة الدولة المسيطرة ، وقضايا البيئة بمعناها الواسع ، ومسألة الإسراف في استهلاك طاقات وخيرات الأرض ، وقضايا النموّ السكاني وعلاقته بالتنمية وتنظيم النسل والتعقيم وحريّة الإنجاب إلى غير ذلك من أمثلةٍ وحالات .
هذا كلّه يفرض تنظيماً وسلطات تشريعيّة على المستوى الداخلي والدولي والإقليمي ، وقد
شمول الشريعة — صفحة 416
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤١٦