تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣

7 - شموليّة الشريعة والموقف من الحياة المعاصرة

أختم التعليقات على هذه النظريّة بالحديث - بشكلٍ مختصر أيضاً - عن الموقف السلبي من الحياة المعاصرة ، والذي تكلّمنا عنه مطلع الحديث عن هذه النظريّة . إنّ هذا الموقف مقبولٌ إلى حدّ جيّد في رأيي ؛ فالحياة المعاصرة تحتاج لإعادة نظر شاملة ، وتكوينها مجدّداً وفقاً لرؤية أكثر دينيّةً وأخلاقيّة ، وما يبدو لنا هو أنّه قد جُررنا نحو خطأ تاريخي كبير باعتماد نمط عيش من هذا النوع ، لكنّ هذا لا يعني أنّ كلّ ما فرضته الحياة المعاصرة كان كذلك ، بل هناك مسار تطوّري بشري طبيعي يجب أخذه بعين الاعتبار حتى لو لحقتنا بعض سلبيّاته المترقّبة ، والحياة المعاصرة ليست شيطاناً مطلقاً . بل لو فرضنا هذا ، فإنّ الشريعة كما هي مسؤولة عن تصحيح هذا الخطأ وتقديم برامج في هذا الصدد ، كذلك هي مسؤولة عن تحديد مواقف المكلّفين من الأفراد والجماعات في ظلّ هذا الوضع ، إلى أن يتغيّر الحال ، وتعود الأمور لصورتها الصحيحة على سبيل الفرض ، ما دامت هذه الشريعة شاملة وخالدة . وفي حالةٍ من هذا النوع ، ما هو موقف الشريعة من الظروف الطارئة وأنماط الحياة القائمة اليوم في ظلّ عدم إمكان تغييرها أو في ظلّ احتياج هذا التغيير إلى مدد زمنية طويلة المدى ؟ فماذا يفعل الناس في هذه الفترة ؟ وكيف يديرون أمورهم ومستجدّاتهم ؟ ونحن لا نتكلّم عن أفراد فقط ، بل نتكلّم عن الأمّة الإسلاميّة كلّها فيما هو اللازم عليها اتخاذه في هذه الحال . إنّ رفض أنماط من الحياة المعاصرة لا يعني أنّنا تخلّصنا من استحقاق الجواب عن أسئلتها ما دامت قائمة ، ومن ثم فهذا التوجّه لا يغيّر كثيراً من المشكلة التي نحن فيها ؛ لأنّ الشريعة ليست فقط شريعة الله في حال كون الناس صالحين في مدينةٍ فاضلة ، بل هي الشريعة أيضاً في ظلّ أسوأ الظروف ، وفي حال كون الناس في أوضاع غير صحيّة كذلك ؛ لأنّ المفروض أنّ القانون الشامل هو القانون الذي ينظّم حياة البشر في مختلف ظروفهم وأحوالهم . وأكتفي بهذا القدر من المداخلات على هذه النظريّة ، لأنتقل إلى النظريّة الثالثة في هذا المجال ، وقد تبيّن لنا أنّ النظريّة المدرسيّة غير قادرة على تقديم تفسير معقول لشموليّة الشريعة يتمكّن من مواكبة المتغيّرات والمستجدات كافّة ، ليُثبت الشموليّة التفصيليّة بالمعنى المدرسي على أرض الواقع .