عدا الاستصحاب - ليست إلا مواقف العقل الإنساني العملي في ظلّ غياب الشريعة بقصد رفع مسؤوليّتها عن كاهل الإنسان .
6 - إلى أين يتجه بنا الفهم التاريخاني والمقاصدي ؟
بعيداً عن التعليق على النقاط الأساسيّة لهذه النظريّة ، أودّ هنا أن أسلّط الضوء قليلًا على المناهج الجديدة في الاجتهاد ، والتي يمكنها أن تساعد على تقوية موقع هذه النظريّة ، إنّني أعتقد بأنّ الأمر يقف على عكس ذلك تماماً ، وبالحدّ الأدنى لا تتمكّن نظريات مقاصد الشريعة ولا المنهج التاريخي في فهم النصوص من إسعاف هذه النظريّة المدرسيّة هنا في مدّعياتها إلا أحياناً وبشكل جزئي ؛ والسبب في ذلك هو تحليل بنية هذين المنهجين والمآلات المترقّبة التي يمكن أن يوصلا إليها ، فإنّ المنهج التاريخي والمنهج المقاصدي إذا استطاعا التحكّم بمفاصل الاجتهاد الديني ، فهما في العادة يتجهان نحو تحرير الفقه من القوالب والصيغ الزمنيّة الموجودة في النصوص والخطابات ، وهذا ما يُنتج تلقائيّاً تحوّل النتائج الفقهيّة إلى نتائج أكثر كليّةً وعموميّة ، وغياب الصيغ التطبيقيّة عنها لصالح صيرورتها زمكانية ووسائليّةً غير مقصودة بذاتها عند الشارع سبحانه وتعالى .
وينجم عن ذلك أنّ الفقه لن يكون غالباً - خاصّة في مجال العلاقات الإنسانيّة وفي السياسات والإدارة المجتمعيّة - سوى مجموعة من الكلّيات والقواعد العامّة والمبادئ القانونيّة والدستوريّة ، وهذا ما يعزّز موقف القائلين بعدم إمكان التوصّل ميدانياً إلى الشموليّة التفصيليّة للشريعة ، بل ستغدو الشريعة أقرب إلى الصيغ العامّة التي تحتاج بطبيعتها للإنسان كي يقوم بصبّها على شكل قوالب قانونيّة تفرضها ظروف الزمان والمكان .
من الممكن أن يكون التوظيف الجزئي لمنهجَي المقاصد والتاريخيّة نافعاً في بعض الحالات ، لكنّ تحكيم هذين المنهجين يوسّع في العادة من الدائرة الكليّة ويضيّق من الدائرة التفصيليّة ، ويلغي الفتاوى التي تلاحق تفاصيل الأشياء ليضع الموقف أمام إطار أكثر عموميّةً ، وهذا ما يقع لصالح الرافضين لفكرة الشمولية التشريعية التفصيليّة بالشكل الذي بيّناه عند مناقشة استخدام العناوين الثانويّة في إدارة المتغيّرات وتغطية المستجدّات .