تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
بل المهم أنّنا حقّاً وواقعاً لا نجدها في النصوص ، سواء كان فقدانها مبرّراً أم غير مبرّر . والنتيجة التي نخرج بها من هذه المداخلة كلّها هي أنّ طاقة النصوص لا تتمكّن من استيعاب كلّ الوقائع المستجدّة والحادثة ، وأنّنا أمام خيارين : إمّا التكلّف والتأوّل في فهم النصوص بطريقة غير عرفيّة ولا لغويّة ، أو الإقرار بعدم وجود بعض القوانين والمواقف من بعض الظواهر الحادثة في النصوص ، وأنّ علينا نحن أن نتخذ منها موقفاً أو نسنّ فيها قانوناً ننطلق فيه من المبادئ التشريعيّة العامّة والروح القانونية الكليّة للدين بحيث لا نتصادم مع أيّ موقفٍ شرعي ثابت ، ولا أقلّ من أنّ الاستعانة بطاقة النصّ ليست ناجحة دائماً في الكشف عن الشموليّة ميدانيّاً . هذه النتيجة التي نتوصّل إليها الآن تُثبت لنا - بالتجربة والمراقبة الذاتيّة - أنّ فكرة فقدان النصوص التي انتبه إليها الفقه السنّي في القرن الثاني الهجري ، باتت جميع المذاهب الإسلامية تواجهها اليوم ، وأنّه من الضروري التفكير بحلّ لهذه الظاهرة ، وحيث إنّ فكرة القياس الظنّي وأمثاله لا دليل عليها من وجهة نظرنا ، لزمنا الرجوع إلى مرجعيّة أخرى ، وهي في تقديري مرجعيّة ( العقل الإنساني المؤمن ) ضمن هدي الشريعة وقيمها في دائرة المستجدات التي نفتقد فيها نصوصاً ، والأمر يحتاج لجرأة الإقرار بفقدان النصوص .

5 - نقصان المعرفة الفقهيّة وادّعاء بناء نظام دنيوي منافِس !

من الضروري الانتباه إلى النقطة ما قبل الأخيرة من نقاط توضيح هذه النظريّة ، وهي التمييز بين الدين في نفسه والدين بالنسبة إلينا أو في أفق إدراكنا ووعينا ، فنحن نوافق تماماً على هذا التمييز ، بمعنى عدم وجود موجب للتطابق دوماً بين الأفقين المذكورين ، لكنّ هذا لا يمنع من تسجيل مداخلة هنا ، وهي أنّ المجتهد الإسلامي أقام نظريّته في الشرع على مبدأ التنجيز والتعذير ، معتمداً - بحسب وجهة نظره في أغلب ما خرج به من قوانين إسلاميّة - على الظنّ الذي توصّل في أصول الفقه إلى القول بحجيّته ، وعلى أنّه غير متأكّد من كون ما توصّل إليه يمثل موقف الشريعة الكامل من الموضوع ، وهذا المبدأ له طابع أخروي بالتأكيد ، بمعنى أنّه وفق اجتهاد الفقيه يمكنه أن ينجّي الإنسان في الآخرة ، لكن إذا كانت النظريّة القانونية الإسلامية ظنيّةً في أغلب مواردها ، وغير كاملة في عناصرها المكتشفة ، فكيف يمكن تقديمها