تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 411

مساهمون:

ص٤١١
اليوم بوصفها علاجاً للقضايا الدنيويّة وصيغةً قانونيّة تنظّم حياة الإنسان في علاقته بالإنسان والطبيعة ؟ ! إنّ تقسيم الأحكام إلى أوّلية وثانوية من جهة والتخفيف من دور الدولة بوصف قوانينها بالمقرّرات من جهة ثانية ، لن يغيّر شيئاً من واقع أنّ هذه الأحكام غير مؤكّدة في بُعدها الواقعي ، وأنّ نظريّات إمكان التعبّد بالظنّ لا تقدّم سوى صوراً إمكانية لتعقّل هذا التعبّد في مقابل استحالته ، دون أن تتمكّن من إثبات نفسها كما ذكرنا ذلك غير مرّة ، ومعه فكيف يمكن للنظريّة الإسلامية اليوم أن تقدّم نفسها في مقابل التيار العلماني ما دامت هي بنفسها غير متأكّدة من أنّ ما توصّلت إليه يمثل الدين الواقعي الذي نظّم حياة الإنسان واستوعبها بكلّ تفاصيلها ؟ ! يبقى هذا السؤال برسم المدرسة التقليدية ، بل هو في واقع أمره إيرادٌ على مجمل تيارات الاجتهاد السائدة بما فيها أصحاب نظريّة الثابت والمتغيّر ومنطقة الفراغ . إلا أنّ هذه الإشكاليّة لا تأتي بشكل قوي على نظريّتنا في عدم حجيّة الظنّ في الدين ، بل يمكن الدفاع عن الرأي المدرسي هنا أيضاً وردّ ثقل هذه الإشكاليّة عنه ، وقد سبق أن بحثنا هذه القضيّة بشيء من التفصيل في موضع آخر ، وقدّمنا بعض الحلول والمخارج فراجع « 1 » ، حتى لا نكرّر أو نطيل . لكن ثمّة نقطة ينبغي الانتباه إليها هنا ، وهي أنّ الاستعانة بالأصول العمليّة ( البراءة - الاحتياط . . ) في حلّ مشكلات المتغيّر والحادث ، لا تنفع هنا ؛ لأنّ المفروض أنّ بحثنا يقع ضمن فكرة تسييل شمولية الشريعة الواقعية أو المنكشف لنا منها ، والمفروض - وفق قواعد أصول الفقه - أنّ الأصول العمليّة جميعاً ، أو مع غض النظر عن الاستصحاب ، هي مجرّد وظائف عمليّة في حال انعدام المعرفة بالحكم الواقعي تماماً وعدم قيام مؤشر عليه يحظى بقيمة وحجيّة ، ومن ثمّ فالأصول العمليّة تحدّد وظائف المكلّفين في هذه الحال ، ولا تقدّم شريعةً شاملة تطرح نفسها برنامجاً للحياة ، وإن كانت في نهاية المطاف برنامجاً عمليّاً للمكلّف يجعل ذمّته بريئة عند عدم وصوله للشريعة الواقعيّة . هذا كلّه بصرف النظر عن القول بأنّ الأصول العمليّة كلّها - أو
هامش
( 1 ) انظر : حيدر حبّ الله ، حجيّة الحديث : 290 - 299 .