ومن هذا القبيل ، محاولة الدفاع بأنّ صاحب الشرع عالمٌ بالغيب وبكلّ المصاديق الحادثة ، فتكون نصوصه شاملةً للمستجدّ ، وهذا بخلاف غيره ممّن لا يتوقّع فيه هذا العلم « 1 » .
فإنّ هذا تفسيرٌ أيديولوجي غير مقبول ؛ وذلك أنّنا لا نعلم أنّ صاحب الشرع قد قصد الموارد الحادثة أساساً من هذه النصوص ، وإنّما نعرف بالنصوص ، وهو يستخدمها على طريقة العرف ، فالمرجع هو الفهم العرفي للنصّ ولو مع الأخذ بعين الاعتبار علمه ودرايته ، فالمرجع هو النصّ نفسه في أن يعبّر لنا ، ومجرّد أنّه يعلم لا يوجب تبلور الظهور العرفي إلا في الحال الأولى والثانية - لو تمّت عناصرها - من حالات الإطلاق والعموم والتي قد لا تحتاج إلى معرفته الغيبيّة أساساً .
المشكلة الثانية : معضلة سنّ القوانين الحادثة
إنّ هذه الطرق المتقدّمة وإن أفادت في مساحة معيّنة وتجاوزت مشكلة الانصراف المتقدّمة على سبيل الفرض ، إلا أنّها لا تستطيع أن تجيب - مع العمومات - عن القوانين الحادثة التي نحتاجها اليوم ، والتي يقوم وليّ الأمر والدولة الإسلاميّة بسنّها لمصالح تراها ، مثل بعض قوانين السير أو المحاكمات أو الاستيراد والتصدير أو غير ذلك ؛ لأنّ هناك الكثير من القوانين اليوم ليس لها مرجعٌ في النصوص سوى مرجعيّة المصلحة أو حفظ النظام أو نحو ذلك ، وقد سبق أن ناقشنا في اعتبارها مقرّرات إجرائيّة ، وهذا يعني أنّ النصوص لا تحوي سوى الأصول التحتيّة لهذه القوانين كحفظ النظام ، وهذا غير أن تحوي النصوصُ القوانينَ نفسَها ، فكيف يمكن أن أدّعي شموليّة الشريعة وأنا أفترض أنّ هذه القوانين غير موجودة في النصوص أساساً وإنّما يأتي بها وليّ الأمر - كائناً من كان - تحت عنوان شرعيّ عام ؟ !
قد تقول : إنّه من غير الممكن أن تحوي النصوص كلّ هذه القوانين ؛ لأنّها وليدة ظروف جديدة لا يفهمها المسلم في العصر الأوّل ، ومن ثمّ فمن غير الميسور عمليّاً مخاطبته بها ، مما يفرض على الشريعة أن يكون خطابُها بالعموم الكلّي .
والجواب : إنّ هذا إقرار بالعجز ؛ بل هذه هي دعوى العلمانيّ أو الحداثي في عدم قدرة الدين على مواكبة العصور اللاحقة جميعها ، فليس المهم الآن لماذا لا نجد هذه القوانين في النصوص ،
هامش
( 1 ) المبسوط في فقه المسائل المعاصرة 1 : 93 - 94 .