تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
اليوم ، ولا يمكنه ممارسة التجريد وإلغاء الخصوصيّة إلا بضربٍ من التكلّف والتأويل ، فما العمل في هذه الحال ؟ هنا يواجه الفقيه بالفعل بعض المشاكل بما يُعيق إمكانية إسناد الفتاوى الصادرة في المستجدات الحادثة إلى النصوص إلا بضربٍ من التكلّف ، وأهمّ هذه المشاكل هو الآتي : المشكلة الأولى : أزمة الانصراف الدلالي الجادّ المشكلة الأولى هنا هي انصراف النصوص - في هذه الحال - عن هذه القضايا الحادثة التي لم يكن لها عين ولا أثر في زمن النصّ ، فكيف يمكن من النصوص أخذ أحكام زرع الأعضاء أو الإحرام في الطائرة عند محاذاة المواقيت أو حقوق الملكيّات الفكريّة أو غير ذلك ؟ ! وهل حقاً نستطيع بكلّ جرأة أن نقول للآخر : إنّ أحكام هذه الأمور وردت في نصوص الكتاب والسنّة ؟ إنّ النصوص منصرفة عن هذه القضايا وتتعرّض لقضايا من نوع آخر ومناخ آخر ، فمن الصعب إثبات وجود نصوص في هذه الموضوعات إلا بضرب من التكلّف المبنيّ على مصادرة قبليّة تثبت أنّ كلّ واقعة ولها حكم ، وهي مصادرة تُثبت وجود حكم ، ولكنّها لا تُثبت وصول نصّ إلينا في هذا الحكم . وقد يُجاب عن هذه المشكلة بأنّ هذه الانصرافات بدويّة ناشئة عن كثرة وجود مصداق محدّد ، مع أنّ الأحكام سيقت على نهج القضيّة الحقيقيّة « 1 » . ولكنّ هذا الجواب ينفع في النوع الأوّل الذي يحوي إطلاقاً في العلّة أو في العنوان ، لا تكون معه المسائل الحادثة سوى مجرّد مصداق جديد لعنوان ورد حكمه صريحاً في النصّ ، ولا ينفع في أيّ حالةٍ أخرى ؛ لأنّ الانصراف في الحالات الأخرى هو انصراف أساسي ، بمعنى أنّ النصوص لا تحكي عن عنوان يشمل الحدث الجديد ، ولا يفهم منها العرف النظر لمثل ذلك ( بعيداً عن الغرق في مصطلحات الانصراف الناتج عن كثرة المصداق أو غيره ) فأين هو النصّ في مقادير الزكاة في الغلات على القمر وكذا مقدار الكرّ من الماء وأنّه بالوزن أو بالحجم ؟ هل يمكن للإنسان العرفي لو قرأ نصوص الزكاة أو الكرّ أن يفهم هذه القضيّة عبر طرق الاجتهاد السائدة ؟ وأين هي نصوص العبادات في القطب الشمالي ؟ وهل نستطيع أن نقول بأنّ النصوص
هامش
( 1 ) انظر : القائني ، المبسوط في فقه المسائل المعاصرة 1 : 25 - 26 ، 41 .