الفتاوى والأحكام الشرعيّة هي حاصل جهود مشتركة من العقل والنص ساهمت في بناء منظومة قانونيّة للحياة البشريّة ؟ ولماذا اعتبرت هذه النتائج التي تغطي الحياة البشرية بمثابة تغطية للشريعة التي قدّمتها البنيات التحتيّة على أنّها متعالية عن العقل وأنّه عاجز عن ممارسة دور المقنّن ؟ ومجرّد أنّ الفقيه هو الذي استخدم العقل ومارس البناء العقلائي لا يصيّر النتائج شرعيّةً فقط بذاك المعنى ، بل إنّ سكوت الشارع عن أكثر من 99 % من البناءات العقلائيّة شاهد اعترافه بأنّ العقل والعقلائيّة مصيبان في تقنيناتهما .
إذن ، نقطة التساؤل هنا يمكن صياغتها على شكلين :
أ - هل سكوت الشريعة عن كلّ هذا الكمّ القانوني الذي وضعه العقل والعقلاء يعني أنّ هذه التشريعات إلهيّةً فقط ، أو أنّ الأصحّ أن نقول بأنّها تشريعات وقوانين بشريّة وافق عليها الشرع ؟ ومن ثمّ ففاعل القانون هنا وواضعه ليس هو الله المشرّع وليست هي النصوص ، بل الفاعل والواضع هنا هو الإنسان ، والله وافق على تشريعات الإنسان وتجربته البشريّة ، واعتبرها مصيبةً لواقع الاعتبار القانوني اللازم .
ب - هل سكوت الشريعة عن كلّ هذه المعطيات المتصلة بأحكام العقل والعقلاء هو موافقة على هذه الأحكام أو هو في جوهره موافقة على مرجعيّة العقل الإنساني في التشريع في الجملة ، فكأنّ الشريعة لم تتدخّل في المساحة التي يقوم العقل والعقلاء فيها بالتشريع اعتماداً منها على مرجعيّة العقل بوصفه هبة الله للإنسان ، لا أنّها تدخّلت بالموافقة على الأحكام دون الموافقة على أصل مرجعيّة العقل والبناء العقلائي ؟ وهذا يعني أنّ سكوت الشارع عن البناءات العقلائيّة والأحكام العقليّة العمليّة ليس هو مجرّد ضمٍّ لها إلى شريعته بالضرورة ، بل هو إحالة أو إقرار بمرجعيّة العقل والتوافق العقلائي القانوني ، وتركاً لهذه المساحة ما دام النشاط العقلي والعقلائي يتحرّك فيها بشكل مصيب .
وبعبارةٍ أخرى : هل السكوت هنا إعلان بيان حكم شرعي أو هو ترك التدخّل المباشر لصالح الإحالة على مرجعيّة معترف بها ، وهي مرجعيّة العقل والتوافق العقلائي ؟
هذه الأسئلة يمكن لأنصار هذه النظريّة هنا الإجابة عنها وفقاً لأصولهم الفكريّة ، من حيث إنّ تفسير شموليّة الشريعة بمعنى الشموليّة التفصيليّة يجعل الفرضيّة الأقرب هنا هي صيرورة أحكام العقل والعقلاء جزءاً من الشريعة ، ويمكن لنا أن نقرّ بدور العقل في الوصول إلى جزء
شمول الشريعة — صفحة 401
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٠١