يدّعي أنّه اكتشفها منه ، بل الإنسان هو الذي يقوم بسنّ القوانين التي تحقّق حالة ارتفاع الهرج والمرج ، فيكون محقّقاً لمفاد الحكم الثانوي بضرورة حفظ النظام مثلًا وهكذا .
وخلاصةُ القول : إنّ إعطاء شخص ثلاث أو أربع قواعد قانونيّة عامّة ؛ ليقوم بوضع مئات المقرَّرات في ضوئها ، يستدعي منطقيّاً تسمية جهوده هذه بالتقنين الجزئي تحت سقف الدستور الكُلِّي ؛ فليست القوانين الجزئيّة التي تقوم بها المجالس النيابيّة في العالم في - كثيرٍ منها - سوى استعانة بكُلِّيات الدستور ، وتحويلها إلى مفردات قانونيّة ، فكيف نسلب وصف التقنين عن كلِّ هذا ؟ وما هي معايير تسمية هذا الجهد تقنيناً أو سَنّاً لمقرَّرات ؟ هل قدَّمت هذه النظريّة رؤيةً تمييزيّة بين جهود التقنين البشري ( المقرَّرات ) وما تقدِّمه النصوص الدينية من قوانين جزئيّة كثيرة أيضاً ، حتّى نقول : هذا تقنين ، وذاك ليس بتقنين ؟ ! وأين ؟ ! وهل التقنين - بوصفه مفهوماً - مشروطٌ بالخلود ، فنحن لا نريد أن نخلع على هذه الجهود اسم القانون الكُلِّي الأبدي ، لكنَّ توصيفه بأنّه تقنين - ولو زمنيّ - ليس أمراً غير موضوعيّ أبداً ، بعيداً عن أيديولوجيا التبرير والتوجيه .
بل من حقّنا أن نسأل هنا أيضاً : عندما تعطي الشريعة للحاكم والقاضي صلاحية سنّ التعزيرات غير المحدّدة في الشرع ، ألا يتضمّن ذلك نوعاً من إحالة تقرير حجم العقوبة إلى القاضي / الإنسان ؟ إنّ الكثير من القوانين في الدول التي لا تعتمد الدستور - مثل المملكة المتحدة - تُحال إلى القضاة ، فلماذا لا نعتبر أنّ إحالة مستويات العقوبة للقاضي ووليّ الأمر هو نوعٌ من التفويض القانوني ضمن إطار الشريعة ؟ وبماذا يصف لنا أنصار نظريّة شموليّة الشريعة التفصيليّة مثل هذا ؟
بل إنّ الكثير من متأخّري أنصار النظريّة المدرسيّة هنا يقرّون بالشخصيّة الولائيّة للنبيّ والإمام ، ويعتبرون أنّه من الممكن أن تصدر منهم مواقف ولائيّة ، ويفسّرون الحكم الولائي بأنّه الحكم الذي يصدره النبيّ بوصفه حاكماً لا بوصفه مبلّغاً . والسؤال : هل يقوم النبيّ بمجرّد تطبيق العنوان على المعنون فقط فيُخبرنا عن الحكم الشرعي في مورد الحكم الولائي أو أنّه يقوم عندهم بوضع قانون حقيقي جديد نسمّيه بالجعل الولائي ؟ فعندما نقول بأنّ النبيّ يمكنه أن يضع الزكاة على غير العناصر التسعة فهل هذا تطبيق محض ، أو هو صلاحية قانونيّة أعطيت له ؟ الأمر يحتاج لتفسير ، فلو كان مجرّد تطبيق فكيف يفسّرون لنا وجود نصوص عن النبيّ
شمول الشريعة — صفحة 398
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٩٨