يصيّر هذه القواعد مستمدّةً من النصوص أو دينيةً ؛ إذ من الممكن أن يكون مصدرُها عقليّاً وليس شرعيّاً .
وهذه الإشكاليّة تفتح على موضوع بالغ الأهميّة والخطورة ، وهو تحديد دور العقل في بناء الفتاوى الشرعيّة ، فنحن لو غضضنا الطرف عن الأخذ بحكم العقل المستقلّ - كما عليه بناء العدلية من المعتزلة والإمامية ، من غير بعض الإخباريين - نجد أنّنا بحاجة لمعرفة المعيار في جعل حكمٍ ما مأخوذاً من الشرع أو من المصدر الإلهي ، فإنّه من الواضح أنّه لو دلّ النصّ على حكمٍ ما لا يُعهد من العقلِ الحديثُ عنه ، لصحّ القول بأنّ هذا الحكم إلهيٌّ لا سبيل إليه إلا بالمشرّع الإلهي عبر الوحي مثلًا ، مثل تفاصيل الصلاة والصوم والزكاة والحج والخمس وغير ذلك ، لكن هل كلّ الفتاوى الفقهيّة تنشأ من هذا النوع من الأدلّة ؟
إنّ الذي يلاحَظ من الأحكام الشرعيّة الموجودة بين أيدينا اليوم أنّها على أنحاء من حيث مدركها ومستندها :
أ - فبعضها مدركه نصّي ، وهذا المستند حصري لولا النصّ لما فهم الإنسان - حسبما يبدو - هذا الحكم .
ب - وبعضُها مدركه عقليّ ، فلو لم يأت الشرع أساساً لظلّ هذا الحكم موجوداً في حياة البشر يديرون به أمورهم ، كحرمة الاعتداء على الآخر بقتله أو حرمة السرقة أو غير ذلك من حُسن العدل وقبح الظلم .
ج - وبعضها مدركه عقلائي ، بنى العقلاء عليه نظام حياتهم ومعاشهم ، ولو لم يأت الشرع لاستمرّ بناؤهم هذا .
ولو تأمّلنا في هذه الثلاثة - بصرف النظر عن التمييز الدقيق بين الثاني والثالث منها - لوجدنا أنّ المجموعة الأولى من الأحكام تغطي مساحةً من حياة البشر ، فيصدق معها أنّ الشريعة قد غطّت هذه المساحة ، أمّا الثانية والثالثة فهي في حقيقتها تشريعات ، إلا بشكل استثنائي نادر في نطاق البناءات العقلائيّة ، وهنا يُسأل : ألا يعني قيام قسمٍ كبير من القوانين والفتاوى الفقهيّة اليوم على العنصر الثاني والثالث أنّ العقل الإنساني قد ساهم بشكلٍ فاعل في ما بتنا نسمّيه الفتاوى الشرعيّة ؟ ! وهل مجرّد سكوت النصّ عن البناءات العقلائية يعني نسبة مضمون هذه البناءات إليه وسلب نسبتها عن العقل الإنساني ؟ وألا يصحّ أن نقول بأنّ
شمول الشريعة — صفحة 400
مساهمون: حيدر حب الله
ص٤٠٠