ليست سوى أحكام ولائيّة ؟ وماذا ستعني عندهم أحكام النبيّ التدبيريّة ؟ بل كيف يمكن تصوّر تشريعات قائمة بنفسها نعتبرها اليوم ولائيّة للمعصوم صدرت من شخصيّته الولائيّة وليس من شخصيّته التبليغيّة ، وفي الوقت عينه نتحدّث عن شموليّة الشريعة ؟ ! فإنّ الحكم الذي يُصدره النبيّ في حالة معيّنة إذا كان ولائيّاً فهذا معناه أنّه مجرّد مصداق مباشر لحكم شرعي ، ومن ثمّ فليس هناك شيء إضافي قام به النبيّ سوى أنّه كشف عن مصداق الحكم الشرعي ، في لحظة زمنيّة معيّنة ، وعليه فمن الخطأ تقسيمهم الشائع ما يصدر عنه إلى ولائي وغير ولائي ، إذ الشخصيّة الحكوميّة له لا دور لها هنا ، بل الصحيح أن نقول بأنّه إمّا تطبيق لحكم شرعي في لحظة زمنيّة مقتضية لهذا الأمر أو هو أصل الحكم الشرعي ، بلا فرق بين كونه حاكماً أو غير ذلك .
3 - نظريّة السكوت : هل أعلنت الشريعة مرجعيّة العقل أو وافقت على قوانينه ؟
لا أستهدف من هذه المداخلة تسجيل مقاربة نقديّة على هذه النظريّة ، بل يعنيني الإضاءة على فرضيّات احتماليّة غابت عنّا في بعض الأحيان ، والهدف هو إثارة الصور والفرضيّات في الذهن لتوفير إمكانات تحليليّة أكبر ، فيرجى الانتباه .
لقد سعت هذه النظريّة في الحفاظ على الأصول التحتيّة التي سبقت الإشارة إليها ، من شموليّة التشريع وعدم وجود مُعين قانوني ، إلا أنّ التحليل يقودنا هنا إلى تساؤلٍ يتّصل بقضيّةٍ يجب التنبّه لها ، وهي أنّ ما يُعرف بالعناوين الثانوية الأمّ ، وكذا كثير من الأحكام الشرعيّة في مجال المعاملات والعلاقات غير العباديّة ، ربما يرجع إلى العقل نفسه وإلى التجربة الإنسانيّة السابقة على الشرع ، فمثل قانون ضرورة حفظ النظام يرجع مدركه الأمّ إلى العقل والبناء العقلائي ، ومثل قانون التزاحم يعدّ العقلُ والسيرة العقلائيّة الأساس فيه ، وكذلك الحال في قواعد الضرر والمشقّات والضرورات والإكراه والتقيّة ، بل وأيضاً لزوم الوفاء بالعقود و . . وإذا كانت مثل هذه المعايير القانونيّة والمرجعيّات التشريعيّة هي في الأصل أحكاماً بشريّة ، فهذا ما يطرح تساؤلًا وهو أنّ الاستناد إليها هو استنادٌ إلى قانون عقلي ومُعين قانوني ، وليس في جوهره استناداً إلى نصّ ديني أو حكم إلهي محض ، فكيف نقول بأنّ المقرّرات التي يعتمدها وليّ الأمر نابعة كلّها من الشرع ؟ ! ومجرّد أنّ الفقهاء قد طرحوا قواعد التزاحم وحفظ النظام في كتبهم لا