تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
بالدقّة ؛ فالدولة هنا تقوم برصد الحالة الخارجيّة ، ثم تأتي بالعنوان الشرعي العام لتطبّقه على الحالة ، لكنّ عمليّة التطبيق هذه والتي تهدف لتحقيق أغراض العنوان العام الشرعي ، تحتاج لوسيط يمكنه أن يسيّل ويحقّق انطباق العنوان على الحالة للخروج من مستلزماته ومقتضياته ، وهذا الوسيط ليس سوى قيام الدولة وأجهزتها القانونيّة بوضع سلسلة من القوانين تؤمّن من خلالها الاستجابة لانطباق العنوان العام - ولو الثانوي - على الحالة التي نحن فيها ، فالتقنين هو واسطة استجابة الانطباق على الحالة ، وليس نفس الانطباق الذاتي ، وهذا معناه أنّ الدولة تقوم بسنّ القوانين استجابةً للعنوان الثانوي مثلًا ، لا أنّها تقوم فقط بمجرّد كشف انطباق العنوان على معنونه كما هي الحالات الشخصيّة ، وهذا ما أظنه دفع النائيني والصدر والقرضاوي وغيرهم للقول بأنّ الدولة تقوم في الحقيقة بعمليّة قانونية كاملة ، غاية الأمر أنّ الإطار الدستوري لهذه العمليّة قد جاء من الشريعة الإلهيّة . وعليه ، فهناك فرق بين انطباق العنوان على الحالة والحكم بحكم العنوان عليها ، وبين إنتاج قانونٍ للحالة في هدي العنوان وحكمه ، وهذا التمييز في تقديري هو ما اكتشفه أصحاب النظريّة الأولى ، وحاول أن يبسّطه أصحاب النظريّة الثانية ، فعندما تقوم الدولة بسنّ تشريعات تتصل بالملاحة البرّية والبحريّة والجويّة ، أو وضع قوانين تتصل بالجمارك أو الاستيراد والتصدير ، أو بالضرائب على الدخل أو القيمة أو وضع قوانين تتصل بالجنديّة والخدمة العسكريّة ، أو بقضايا البناء والإعمار ، أو بقضايا البيئة ، وغير ذلك ، فهي لا تقوم بمجرّد صبّ عنوان وجوب حفظ النظام أو عنوان دفع الضرر مثلًا ، بل هي تأخذ العنوان وحكمه الشرعيّ لتستجيب له عبر القيام بسنّ قوانين قادرة على تحقيق مصلحة العنوان الشرعي وأغراضه . وبعبارة أخرى : إنّ الموضع الذي يتمّ فيه تطبيق العناوين الثانوية العامّة هو في نفسه سلسلة قانونيّة وليس مفردة خارجيّة ، والإنسان هو الذي يقوم بالكشف عن هذه السلسلة القانونيّة وليس الحكمُ الثانوي بنفسه ، تماماً كما هو الإنسان المكلّف بالكشف عن تحقّق موضوع الحكم بالنسبة إليه لكي يقوم بصبّ الحكم على الحالة ، وليست الشريعة هي التي تُخبر بتحقّق موضوع الحكم هنا أو هناك ، فلو أنّك اليوم أخذت حكم لزوم دفع الضرر أو لزوم حفظ النظام وتجنّب الهرج والمرج ، فهل يمكنه لوحده أن ينفعك في وضع قوانين السير ؟ بالتأكيد سيكون الجواب بالنفي ؛ لأنّ قوانين السير لا يتمّ استنطاق الحكم الثانوي للوصول إليها ، ولا يمكن لأحد أن