مؤسّسات الدولة خارج إطار النصوص الدينيّة ، فالدولة ومؤسَّساتها التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة ، بمختلف تشعّباتها وتراتبيّتها ، مع آلاف القوانين المتعلِّقة بعمل المحاكم والوزارات والإدارات و . . تحتاج إلى رؤيةٍ معمَّقة لا يمكن طرحها من خلال المبادئ المتقدّمة التي طرحتها النظريّة المدرسيّة . ولا يمكن افتراض جميع هذه الأمور ثانويّة بسيطة تحتاج إلى مقرَّرات إجرائيّة جزئيّة تطبيقيّة . كما لا يمكن للباحث أن يتعقَّل أنّ أمثال هذه الأمور تحتاج إلى قوانين إجرائيّة جزئيّة تفتقدها النصوص الشرعيّة الأساسيّة ، بينما نجد نصوصاً شرعيّة في قضايا جزئيّةٍ بسيطة للغاية في حياة الإنسان ! هذا كلُّه يدعونا إلى تقديم نظريّة أكثر عمقاً ودقّةً من هذه النظريّة .
إنّ تغيير كلمة ( القوانين ) إلى كلمة ( المقرَّرات ) ؛ بهدف تبسيط دور العقل الإنساني وعقل وليّ الأمر في ما يقوم به ، لا يغيِّر من واقع الحال شيئاً . فالنصوص الدينية الموجودة اليوم ليس فيها شيءٌ عن الكثير من هذه المسمّاة بالمقرَّرات ، رغم أنّ هذه المقرَّرات تطال اليوم أبعاداً عميقة في تنظيم حياة الإنسان المالية والاقتصادية والسياسيّة والاجتماعيّة وغيرها ، أليس من الأفضل أن نقول بأنّ حجم هذه التحوُّلات - مع عدم وجود نصوص ، وإنّما مبادئ تشريعيّة عامّة - كاشفٌ عن أنّ الشريعة تركت هذا الأمر من الأوّل ، وأوكلَتْ إلى العقل الإنساني أن يدير أموره في ظلِّ عناوين شرعيّة عامّة ؟ ! فلماذا نبخل على العقل الإنساني في تسمية نشاطه الضخم هذا بأنّه تقنينٌ ، ونقوم بتقزيم جهوده ، عبر وصفها بأنّها مجرَّد مقرَّرات أو تطبيقات ؟ !
قد تقول لي : إنّ العناوين الثانويّة والقواعد الشرعيّة العامّة تقوم الدولة بتطبيقها على الواقع الخارجيّ ، ولو في مساحة زمنيّة معيّنة ، ولا تقوم بأيّ دورٍ آخر .
لكنّ القضيّة تكمن في ضرورة فهم طبيعة عمل الدولة ومجالسها اليوم ، وذلك أنّ تطبيق العناوين العامّة - خاصّةً منها ما كان مثل العناوين الثانويّة المعروفة - يختلف من حالةٍ إلى أخرى ، فلو أنّ شخصاً يعرف أنّ العمل الفلاني يجرّ الضرر عليه كالصوم ، ففي هذه الحال نقول : إنّ هذا الشخص عيّن الحالة الخارجيّة ، ثم قام بتطبيق العنوان العام على الحالة ممّا أنتج بشكل تلقائي حكم الحالة التي هو فيها .
لكن هل تقوم الدولة ومجالس الحل والعقد اليوم بممارسة هذه العمليّة عينها بكلّ بساطة أو لا ؟
إنّ الجواب هنا يظهر من خلال رصد ما تقوم به الدولة ووليّ الأمر والمجالس التشريعيّة
شمول الشريعة — صفحة 396
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٩٦