للفهوم المتعدّدة ، الأمر الذي يجعل نصوص الشريعة في الكتاب والسنّة ذات قدرة على احتواء أثريّة الحنابلة وقياسيّة الأحناف وترخيصيّة ابن عباس وتشدّديّة ابن عمر وظاهريّة داود ، وغير ذلك « 1 » ، وهذا ما يقدّم صوراً متنوعّة يمكن توظيفها لتسييل شموليّة الشريعة على أرض الواقع .
العنصر السابع : السكوت القانوني ( مرجعيّة الأعراف العقلائيّة الممضاة )
لا أريد هنا أن أخوض بالتفصيل في مسألة السيرة العقلائيّة أو العرف البشري العام ، والتي أولاها الاجتهادُ الإسلامي أهميّةً فائقة ، وحظيت بين المتأخّرين من الأصوليّين والفقهاء باهتمام كبير ، لكنّني أريد أن أشير إلى أنّ الفقه الإسلامي تمكّن من أن يغطّي مساحة واسعة من النشاط القانوني اعتماداً على البناءات العقلائيّة والأعراف البشريّة العامّة ، مثل البناء على الاحتجاج بالظنّ الخبري أو الظنّ الدلالي أو التملّك بالحيازة أو عشرات - وربما مئات - من الأمثلة الأخرى التي يعرفها كلّ مطلع على أعمال الفقهاء المسلمين .
معنى هذا أنّ مساحةً واسعة من التقنين ، وإن لم تكن موجودةً في النصوص ، تعتبر قائمةً ؛ فإنّ المقنّن الذي يتصدّى للتقنين في مساحةٍ ما نفهم من سكوته عن بعض الجوانب تقنيناً ، فإنّ السكوت يمثل فعلًا قانونيّاً عند المقنّن ولا يمثل غيبوبةً قانونيّة ، وهذا يدلّ على أنّ السكوت عن حكم العقل القطعي ( بصرف النظر عن قانون الملازمة ) والسكوت عن الأعراف البشرية والبناءات والسِّيَر العقلائيّة ، يمنح كلَّ نتائجها عبر الزمن للشريعة ، فكأنّ الشريعة تضمّنت كلَّ هذه الجهود القانونيّة الموجودة عند العقل والعقلاء معاً ، ومن ثمّ لا ينبغي لنا الخوف من نقص النصوص ؛ لأنّ السكوت يساوي نصّاً في مثل هذه الحال عندما يواجه ظواهرَ معيّنة .
ولا تقف قيمة السكوت القانوني عند هذا الحدّ ، بل قد تتصل بالأعراف الزمنيّة عصر نزول النص وما يمكننا معه من استنطاق الظواهر للخروج بنتائج قانونيّة .
هذه هي أهم أركان التحوّل والسَّعة في الاجتهاد المدرسي الإسلامي ببياننا لها وشرحنا وتوسّعنا فيها ، والتي تحقّق السعة عمليّاً ، وفي الوقت عينه لا تفرض علينا الرجوع لمرجعيّة
هامش
( 1 ) انظر : القرضاوي ، عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلاميّة : 49 - 64 .