المدرسيّة هنا بسلطةٍ كهذه ، بل أعادت فهم الحكم الحكومي بوصفه سلطةً إجرائيّة تنفيذيّة لا تمثل مقرّراتها سوى وسائل إجراء لا غير .
العنصر الخامس : الطبيعة البيانيّة في النصوص الدينية القانونيّة
يرى هذا الاتجاه المدرسي هنا أنّ الطبيعة البيانيّة في النصوص الدينية القانونيّة تقوم على أمرين :
أحدهما : إنّ الأحكام فيها مسوقة على نهج القضيّة الحقيقيّة لا الخارجية كما حُقّق في أصول الفقه ، فهي تفترض الموضوع وتقدّره مما يجعل الحكم ثابتاً على الموضوع أينما كان ومتى ما كان ، وهذا هو الجانب الثبوتي للقضيّة .
ثانيهما : إنّها تحوي صيغ العموم والإطلاق التي تحمل بطبيعتها أو سياقاتها قدرة الشمول ، وهذا هو الجانب الإثباتي من الموضوع ، فإنّ الأمر بالوفاء بالعقود ( المائدة : 1 ) لما كان عاماً فإنّ أيّ عقد يستجدّ سيكون لهذا العموم - لا أقلّ وفقاً لبعض الآراء في فقه التجارات - قدرة استيعابه وتغطيته ، فالعقود المُستحْدَثة والمعاملات الجديدة مشمولة لعنوان وجوب الوفاء بالعقود ، فمهما كثرت المعاملات والعقود واستجدَّتْ فلدينا نصوصٌ عامّة ومطلقة زمانيّاً وأفراديّاً وحاليّاً تصلح لاستيعابها ، بلا حاجةٍ إلى نصوصٍ خاصّة في واقعةٍ حادثة في هذا الزمان أو ذاك .
وهكذا الحال في الاستصحاب ، حيث وردت فيه روايةٌ في باب الوضوء ، وأخرى في باب الصلاة ، وهكذا ، لكنّ الفقيه الأصوليّ استنتج منها قاعدةً كلِّية عامّة ، جعلتها تنطبق في جميع موارد الشكّ المسبوق باليقين . وكذلك الأمر مع الضرر الذي نفَتْه الشريعة ، فهو كما ينطبق على تناول السمّ ينطبق أيضاً على استنشاق الهواء الذي يحمل إشعاعات نوويّة أو موادّ كيميائيّة مثلًا ، دون فرقٍ بينهما .
فكثرة الوقائع وتعدّد المستجدات لا تفرض بالضرورة كثرةً موازية في النصوص ؛ لأنّ القضيّة الحقيقيّة والصياغة التعميميّة كافيتان لاستيعاب الكثير من هذه المستجدات .
وهذا ما يقول فيه قطب الدين الراوندي ( 573 ه - ) : . . فالحوادث غير متناهية ، وعموم