تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
باستنتاج الموقف الديني منها ، من خلال قراءة جانبها الملاكي ( المصلحة والمفسدة ) في ضوء معرفته المسبقة بأنّ الشريعة سيقت لتحقيق مصالح العباد ، وقد قدّم الفقه السنّي عشرات - وربما مئات - الأمثلة على توليد فتاوى من خلال قانون الاستصلاح هذا ، وكأنّه قانون يشتغل فيه المجتهدُ على الدليل اللمِّي ، فبدل أن ينطلق من الحكم لمعرفة وجود مصلحة خلفه ، ها هو يرى المصلحة الآن بنفسه ليكتشف من خلالها أنّ الحكمَ موجود في دائرتها ، فيُصدر فتواه في ذلك . إنّ فكرة الاستصلاح أو المصالح المرسلة كانت مهمّة جداً في الاجتهاد السنّي ، لكنّ بعض علماء أهل السنّة عارضوها ، ومن أبرزهم الشيخ أبو حامد الغزالي ( 505 ه - ) ، وإن كان ربما يمكن عدّه مؤمناً بها وفق صيغة خاصّة ليست محلّ بحثنا تحتوي شروطاً شديدة .

العنصر الثالث : العناوين الثانويّة أو الحالات العارضة الطارئة

العناوين الثانويّة - خاصّةً منها قانون التزاحم القاضي بتقديم الأهمّ على المهم - والأحكام الحاكمة على الأحكام الأوّلية ، كالضرر ( قاعدة لا ضرر ) ، والاضطرار ( الضرورات تبيح المحظورات ) ، خاصّة عندما نعمّمها - كما يطرحه الشيخ يوسف القرضاوي « 1 » - لمفهوم ضرورات الجماعة ، ولا نحصرها بإطار ضرورات الأفراد ، مثل فرض ضرائب لتأمين نفقات الحرب لحماية الأمّة ، فهذه ضرورة تعرض الجماعة وقد لا تعرض الفرد قهراً ، والحرج ( المشقّة تجلب التيسير ) ، والإكراه ( رفع عن أمّتي . . ما استُكرهوا عليه ) ، والتقيّة ( حالات الضعف والعجز وتطلّب حماية الذات أو الجماعة ) ، وغير ذلك . . هذه العناوين وما تحمله من مواقف شرعيّة ، يفهمها هذا الاتجاه المدرسيّ بوصفها قادرةً على تغطية الكثير جداً من المتغيّرات التي ليس للشريعة فيها موقفٌ منصوص مباشر لها بعنوانها ؛ لظهورها بعد عصر النصّ وزمن الوحي ، ومن ذلك تقديم المصلحة العامة على المصالح الفرديّة ، وبهذه العناوين والأحكام التي تملك حقّ النقض ( الفيتو ) على حسب تعبير المطهري ، تتمكّن الدولة من مواكبة المتغيّرات وما تحتاجه الحياة المعاصرة إلى جانب الأحكام الأوّلية
هامش
( 1 ) انظر : القرضاوي ، عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلاميّة : 71 - 73 .
شمول الشريعة — صفحة 383 | حيدر حب الله