تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
الكثيرة ، وتتمّ تغطية الوقائع بشكلٍ كامل . وعليه ، فيمكن الركون إلى العناوين الثانويّة لتكييف الحياة مع متطلَّباتها واقتضاءاتها ؛ فحين يتزاحم الأكثر ضرراً مع الأقلّ ضرراً تأتي قاعدة التزاحم ؛ لتقدِّم الأقلّ ضرراً على الأكثر ؛ وحينما يكون الحكم المعيّن ضارّاً بمعنى من المعاني فسوف تتدخّل قاعدة ( لا ضرر ) - وفق فهمٍ لها - من أجل نفيه أو تحجيمه ؛ وكذا الأمر في قاعدة ( لا حَرَج ) مثلًا . وهذا معناه أنّ الأحكام الأوَّليّة تقع على الدوام تحت سلطان العناوين الثانوية الطارئة ، القادرة على نفيها أو تحجيمها في موردها . وهذا كلّه يعني أنّنا حينما نمنح الدولة أو غيرها سلطةً ما ، فغاية ما هنالك هو أنّها سوف تتمكَّن من إعمال القواعد الثانوية نفسها في المواطن المسموحة ، وهنا لا تضع السلطةُ أيَّ حكمٍ ، ولا تلغي أيَّ حكمٍ ، بل تقوم بتطبيق الحكم الثانوي على مورده الخارجي في الحالة الواقعة ، فدورُها تطبيقيّ تنفيذيّ ، وليس تشريعيّاً تقنينيّاً . لقد راهن الفقه الإسلامي كثيراً عبر التاريخ على فكرة العناوين الثانويّة والحالات العارضة الطارئة ، فشكّلت عنصراً رئيساً في تحريكه للأحكام على أرض الواقع تبعاً للمتغيّرات والظروف . ولابدّ لي أن أوضح هنا أنّ مفهوم العنوان الثانوي لا يختصّ في الفقه بالحالات الاستثنائيّة أو القاهرة ، بل هو يتخطّى هذا ، فالماء بالعنوان الأوّلي يجوز شربه ، لكنّه لو تعنون بعنوانٍ ثانويّ ، مثل صيرورته متنجّساً فإنّه يصبح حراماً ، فالتغيّر العنواني هنا غيّر الموقف القانوني والشرعي ، رغم أنّه لا توجد حالة طارئة قاهرة استثنائية مثل الضرورة والإكراه ، ففكرة العنوان الثانوي أوسع من الحالات القاهرة الضاغطة ، لكنّ أهميّتها تبدو لنا أكثر في إطار الضغوط والطوارئ ، نظراً لحاجة الشريعة للتكيّف مع هذا النوع من الحالات . وبهذا نكتشف - وفقاً لهذا التفسير لمفهوم الثانويّة - أنّ فكرة تنوّع العناوين الأوّليّة والثانويّة تتداخل بشكلٍ كبير مع فكرة تغيّر الأحكام بتغيّر الموضوعات ، فانتبه ، لكنّنا فصلناها نظراً لخصوصيّة الأحكام الثانويّة الكليّة التي تمثل حالات الطوارئ ؛ لما لها من أهميّة ، أو لكون خصوصيّة الثانويّة في هذا النوع من الثانويّات لا يغيّر العنوان أو الموضوع في ذاته وتكوينه ، كما في الاستحالة في باب الطهارة ، بل يُلقي عليه صفةً إضافيّة .
شمول الشريعة — صفحة 384 | حيدر حب الله