تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
لو شرب هذا الدمَ حيوانٌ محلّل الأكل بطبعه كالغنم أو البقر ، ثم استحال في جسمه وصار جزءاً منه بتحلّل أجزائه في جهازه الهضمي ، فإنّنا لو ذبحنا هذا الحيوان يكون أكل لحمه جائزاً ؛ لأنّ موضوع حرمة الأكل هو الدم ، وهذا الموضوع لم يعد متحقّقاً الآن بعد عروض التحوّلات التكوينيّة عليه في داخل جسم الحيوان ، فيما المأكول الآن بالنسبة إلينا هو لحم الحيوان محلّل الأكل ، فبتغيّر الموضوع يحصل تحوّل في الحكم تلقائيّاً ، وكلّ ما حصل أنّ الواقع نفسه بتغيّره التكويني قد خرج من تحت حكم شرعي ، لينضوي تحت ظلّ حكم شرعي آخر ، فمن غيّر موقعه هنا ليس هو الدين أو الشريعة ، وإنّما هو الواقع . من هنا ، تختلف فكرة نسخ الأحكام الشرعيّة عن فكرة تغير الحكم بتغيّر الموضوع ؛ لأنّ فكرة النسخ - بالمفهوم السائد لها ، بصرف النظر عن صحّة هذا المفهوم عندنا - تقوم بتعديل الحكم نفسه ولو كان موضوعه باقياً ، فالتحوّل صار في الجعل وفي ثبوته في أصل الشرع ، بينما فكرة تغيّر الحكم بتغيّر الموضوع لا تعني زوال أيّ حكم من القانون الشرعي زوالًا أصليّاً ، بل الأحكام ما تزال قائمة ، وهي حرمة تناول الدم وجواز أكل لحم الغنم ، كلّ ما في الأمر أنّ التحوّلات التكوينيّة أخرجت الموقف - من حيث الفعليّة والمجعوليّة - من تحت سلطان حكم إلى تحت سلطان حكم آخر ، ففعّلت حكماً وأوقفت تفعيل حكمٍ آخر ، دون أن تزيله من الوجود القانوني أبداً ، فالموقف أشبه شيء بوضع ضوءٍ قويّ في أعلى الغرفة ، ووضع لوح متعدّد الألوان في أطرافه ، فكلّما تحرّك اللوح صار اللون المنبعث من الإضاءة مختلفاً ، فهنا لم يحدث أيّ تحوّل في الإضاءة ، بل تغيّر الجسم الذي عرضت عليه الإضاءة ، فترك أثراً على النتيجة العمليّة في الغرفة . ولا يقف الأمر عند التغيّر التكويني النهائي المشار إليه - ولهذا قد يتحدّث الفقهاء ضمناً عن هذه القاعدة عند الحديث عن مسألة التطهير بالاستحالة أو بالانقلاب - بل يدخل في هذا السياق أشكال أخرى ينبغي الانتباه إليها ؛ وذلك أنّ الموضوع - بالمفهوم الاجتهادي الأصولي له - يعني تمام العناصر المتصلة بتحويل حكمٍ من وجوده الخام في أصل الشرع إلى صيرورته فاعلًا منجّزاً داخلًا في اللحظة في مسؤوليّة هذا المكلّف أو ذاك ، وهذا يعني أنّ كلّ عنصرٍ اخذ شرطاً أو قيداً في تعلّق الحكم بالمسؤوليّة الناجزة الفعلية فهو داخل في دائرة الموضوع ، وهذا ما يفتح فكرة الموضوع على أنواع من التغيّرات لا تقف عند التغيّر التكويني الذي من نوع المثال