والدينيّة في العالم ، مثل بعض من يعرف بالراديكاليّين المسيحيين الذي يرفضون الحياة المعاصرة ، ويعتبرونها شرّاً ( الآميش مثالًا اليوم في الولايات المتحدة الأميركيّة وغيرها ) ، وبعض الأجواء الشيعيّة المحدودة كجماعة طالقان المعاصرة ، وكذلك العديد من التيارات الصوفية والمعنويّة في العالم المعاصر . .
إذا طرح باحثٌ اليوم هذا الأمر ، فيمكن لباحث آخر أن يُسنده ويقف معه لتأكيد أنّ تغوّل الدولة وظهور الدولة الحديثة هو في الأصل مفهوم خاطئ سببه نموّ الاقتصاد الرأسمالي وتعملق رغبة الإنسان بالمادّة ، وعشق الإنسان الحديث للهيمنة واستعباد الشعوب واستنزاف خيرات الأرض ، فلا نريد الدولة المتدخّلة العملاقة ، بل نريد الدولة الحارسة فقط بالاصطلاح السائد للمفهوم ، ومن ثمّ فالكثير من الأمور يجب التخلّي عن نسق التفكير الحاضر لها ، وأن لا نقع ضحيّة عمل الآخرين لننساق خلفهم في مشاريعهم ، ونبدأ نبحث عن حلول لواقعنا المعاصر ، وهو في الأصل صنيع غيرنا وإرادة الشيطان على الأرض ، فوظيفتنا اليوم ليست وضع الحلول للمستجدّات التي أفرزها هذا الوضع الجديد ، بل إعادة البشر نحو الحالة الطبيعيّة التي تخلّصهم من النتائج الكارثيّة لهذا الوضع القائم .
إنّ مرجع هذه الأفكار إلى الاقتناع الشديد بأنّ نمط الحياة المعاصرة هو نمط خاطئ منذ البداية ، وأنّ نموّ العلم والقدرة والهيمنة حصل بعيداً عن الرقابة الأخلاقيّة ، وأنّه يجب علينا إعادة تشكيل نمط العيش البشري بشكلٍ مختلف تماماً . وهذا التوجّه في غاية الأهميّة في العصر الحاضر ، ويحظى بالكثير من الدعم والتأييد في العديد من الأوساط النقديّة في العالم ، بصرف النظر عن مستويات هذا الدعم ، لكنّ الكثيرين يُجمعون اليوم على أنّ الطريق التي تسير فيها الإنسانيّة بنمط عيشها الحاضر لن يوصلها إلا إلى الهاوية وانهيار الحياة ودمار الإنسان والطبيعة ؛ وقد رأينا بدايات ذلك باستنزاف خيرات الأرض وسقوط الإنسان في الغربة والوحدة واليأس ومختلف الأمراض النفسيّة الرهيبة ، حتى بدأت العودة إلى الدين من زاوية معنويّاته ، ومن لا يقبل الدين بدأ يتجه نحو الحركات الروحيّة غير الدينية المعروفة باسم ( العرفان بدون الله ) .
بل قد يعتبر بعض أنصار هذا النسق من التفكير الناقد للحياة المعاصرة أنّ دخول الدين في
شمول الشريعة — صفحة 377
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٧٧