الحياة السياسيّة وارتباطه بالدولة سوف يجبره على تحمّل الضغوطات التي تقع فيها الدولة نتيجة النظام العالمي الحديث ، فالدول لها ضروراتها التي لا يعيشها الفرد مباشرةً ، وهذا يعني أنّنا سنجعل الدين مساهماً في فرض نظام الحياة المعاصرة على الناس بدل أن يكون مساعداً في تحريرهم منها بتوجيههم فرديّاً ، ومن هنا نجد أنّ مثل حركة الإصلاح الراديكالي التي عرفتها البروتستانتيّة في مراحلها الأولى ( وكانت مخالفةً لتوجّهات مارتن لوثر وجان كالفَن وغيرهم من قادة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر ) تعتبر أنّ ربط الدين بالدولة هو ربطٌ لا يحمل سوى الشرّ ، ويفرض على الدين مراعاة حاجات الدولة ليُساعد في فرضها على الناس ، بدل أن يحمل حاجات الناس ليساعد في فرضها على الدولة .
عناصر تكوّن الشموليّة المرنة في التشريعات الإسلاميّة
إنّ المرجع في تبلور صورة واضحة عن ( الشموليّة - المرنة ) عند هذا الاتجاه ، هو الطبيعة المرنة لحركة التشريع الإسلامي ، وحلّ المشكلة - عند هذا الاتجاه - يكون من خلال وضع توليفة عناصر متعاضدة متكاتفة متعاونة ، سنحاول اكتشافها عبر تحليلنا لمناهجهم وطرائق عملهم ، ويقف على رأسها :
العنصر الأوّل : قاعدة التغيّر ضمن نظام تحوّل العناوين والأسماء
تؤدّي القاعدة الأصوليّة المعروفة القاضيّة بالتغيّر في المواقف تبعاً للتغيّر في العناوين والأسماء ، أو ما يُسمّى - أحياناً - بتبعيّة الأحكام للأسماء « 1 » ، إلى منح الشريعة قدرة تكيّف عالية ، ويمكن رصد هذا التصوّر الكلّي لهذه القاعدة عبر مستويين :
المستوى الأوّل : قاعدة تغيّر الأحكام بتغيّر الموضوعات ، وهي القاعدة التي تقضي بثبوت حكمٍ بالحرمة اليوم على شيءٍ ضمن وضعٍ معيّن ، فيما يكون الحكم غداً عليه مختلفاً نتيجة عروض التحوّلات الموضوعيّة عليه ، فالدم لا يجوز شربه أو تناوله بنصّ الكتاب العزيز ، لكنّه
هامش
( 1 ) ثمّة كتابات كثيرة في الفقه السني القديم والحديث حول موضوع تغيّر الفتوى بتغيّر الزمان والمكان والأحوال والعادات ، وقاعدة العادة محكمة ، وغير ذلك ممّا يدرس عوامل تغيّر الأحكام والفتاوى في النظريّة والتطبيق ، فلتراجع ، فقد صُغنا البحث بشكل كلّي هنا .