النظرية الثانية : الشموليّة التفصيليّة ( المبادئ التحوّلية في الفقه المدرسي )
ربما يمكنني القول بأنّ هذه النظريّة تمثل وجهة نظر جمهور الفقهاء القدامى والمعاصرين ، أو القراءة المدرسيّة للفقه الإسلامي ، وهي نظريّة ترى عدم وجود منطقة فراغ في الشريعة الإسلاميّة ، كما أنّه لا توجد عندها متغيِّرات يمكن للفقيه أو للدولة أو لوليّ الأمر أو غيرهم أن يسنّوا القوانين فيها ، بل ليست لهم مثل هذه الصلاحيّة أساساً ، فلا توجد سلطةٌ تشريعيّة إنسانيّة بأيّ شكلٍ من الأشكال ، ولا يمكننا منح أحد مثل هذه السلطة الثابتة حصراً لله سبحانه .
تَعتبر هذه الرؤية أنّ الخطأ الذي حصل هو تصوّر وجود عجز داخل المنظومة الاجتهاديّة أظهرها غير قادرة على تغطية مساحة المتغيِّرات والمستجدّات ، فألجأها لمرجعيّاتٍ مساعدة ، كمرجعيّة الدولة أو المجالس النيابيّة أو وليّ الأمر في سنّ القوانين ، في حين أنّ واقع الحال ليس كذلك ، حيث جُهِّزَت المنظومة الاجتهاديّة بعُدّةٍ ذاتيّة كافية لتغطية المستجدّات والمتحوّلات .
من هنا ، يميل هذا الفريق الذي يملك - إلى يومنا هذا - قاعدةً عريضة في مدارس الفقه الإسلامي ، إلى أنّ شمول الشريعة لتمام وقائع الحياة مبدأ إسلامي حاسم ، دلّت عليه النصوص والتحليلات العقلانيّة معاً ، وأنّ هذا الشمول يتسم بطابع تفصيلي ، بمعنى أنّ كلّ حدث يقع يمكن لنا أن نضع يدنا عليه ونقول : إنّ لهذا الحدث حُكماً خاصّاً في الشريعة الإسلاميّة ، بُيّن إمّا بطريقة خاصّة مباشرة له بعنوانه الشخصي أو قد جرى بيانه بطريقة عامّة تستوعبه ، ومن ثم ينتج وجود حكم إلهي متصل بهذه الواقعة الخاصّة .
وهذه النظريّة هي المستكنّة في وعي الاتجاه المدرسي في الاجتهاد الإسلامي ، وعليها - على ما يبدو - بُنيت فكرة الاستيعاب الحاصر في الأصول العمليّة ، حيث افترض علماء أصول الفقه أنّ