شرب الخمر وعمل الخشب صنماً أو صورة حيوان ، ونظير مجامعة الزوج التي دلّ بعض الأخبار السابقة على عدم ارتفاع حكمها - أعني الإباحة متى أراد الزوج - باشتراط كونها بيد المرأة ، ونظير التزويج والتسرّي والهجر ، حيث دلّ بعض تلك الأخبار على عدم ارتفاع إباحتها باشتراط تركها معلّلًا بورود الكتاب العزيز بإباحتها . أمّا ما كان حلالًا لو خُلّي وطبعه بحيث لا ينافي حرمته أو وجوبه بملاحظة طروّ عنوان خارجي عليه ، أو كان حراماً كذلك ، فلا يلزم من اشتراط فعله أو تركه إلا تغيّر عنوان الحلال والحرام الموجب لتغيّر الحلّ والحرمة ، فلا يكون حينئذ تحريم حلال ولا تحليل حرام » « 1 » .
وبعبارة أخرى : إنّ المباحات في الشرع مقيّدة بعدم طروّ عنوان حكم وليّ الأمر عليها فتصبح إلزاميّةً ، تماماً كما هي مقيّدة بعدم طروّ عنوان النذر أو الشرط أو غير ذلك ، إلا ما خرج بالدليل الخاصّ .
لكن - وفقاً لذلك - ألا يُحتمل أن نطرح تمييزاً هنا ، كان ينبغي لأنصار نظريّة منطقة الفراغ طرحه ، وهو التمييز داخل المباحات بين ما ورد النصّ ( أو خصوص النصّ القرآني أو الحكم المنسوب صراحةً إلى الله ، على احتمالاتٍ متصوّرة في القضيّة ) أو الدليل المؤكّدين على إباحته بنحو إرادتها ومطلوبيّتها ؛ وما كان مباحاً من غير هذا النوع ، خاصّةً لو كانت إباحته لمجرّد عدم ورود نصّ على تحريمه ، مما احتملنا سابقاً أنّه هو المراد بمنطقة العفو والسكوت ، ومن ثمّ فما وردت إباحته بنصّ واضح في الرغبة في ترخيصه مثل نصوص إباحة الأطعمة المحلّلة ، ومثل ذلك نصوص المستحبّات والمكروهات ( فضلًا عن الإلزاميّات في دائرتها ) ، لم يكن يمكن للحاكم التدخّل فيها من دون طروّ العناوين الثانويّة المبرّرة لذلك ، وإلا أمكنه التدخّل انطلاقاً مما يراه من المصلحة أيضاً .
ولعلّ ما يؤيّد هذا الأمر ما ألمح إليه الأنصاري آنفاً ، من مثل مرسل العياشي عن محمّد بن مسلم ، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام ، أنّه قال : « قضى أمير المؤمنين عليه السلام في امرأة تزوّجها رجلٌ وشرط عليها وعلى أهلها إن تزوّج عليها امرأةً وهجرها ، أو أتى عليها سُرِّيّةً فإنها طالق ، فقال : شرط الله قبل شرطكم ، إن شاء وفى بشرطه وإن شاء أمسك امرأته ونكح عليها وتسرَّى عليها
هامش
( 1 ) الأنصاري ، المكاسب 6 : 34 .