فقيل : إنّه لا يجب طاعتهم فيه ؛ لأنّه لا يجوز لأحد أن يحرّم ما حلّله الله تعالى ولا أن يحلّل ما حرّمه الله تعالى ، وقيل : تجب أيضاً كما نصّ عليه الحَصْكَفي وغيره ، وقال بعض محقّقي الشافعيّة : يجب طاعة الإمام في أمره ونهيه ما لم يأمر بمحرّم ، وقال بعضهم : الذي يظهر أنّ ما أمر به مما ليس فيه مصلحة عامّة لا يجب امتثاله إلا ظاهراً فقط بخلاف ما فيه ذلك فإنه يجب باطناً أيضاً ، وكذا يقال في المباح الذي فيه ضررٌ للمأمور به . . » « 1 » .
والحديث عن ممارسة الولاية هنا لا يغيّر من واقع الأمر شيئاً ؛ لأنّ المفروض أنّ دليل الولاية جاء في طول الأدلّة الأوليّة للأحكام عند مثل السيّد الصدر ، بمعنى تقيّده بعدم مخالفتها ، كما يظهر من تحليل نظريّته في الشقّ المرتبط بالإلزامات ، ولو أراد التفصيل بين أنواع التكاليف لكان يُفترض إبداء الخصوصيّات الموجبة للتمييز ، الأمر الذي لا نجده متوفّراً في بيانه لنظريّته . وإلا فالإلزام الحكومي في موارد المباحات هو في حقيقته نقض لإطلاقيّة إباحة المباح ، وهو تعارض مع الشريعة في دائرة هذه الإطلاقيّة .
علماً أنّ الذهن العقلائي يميّز بين الجانب العام للحياة الإنسانيّة والذي تقوم الدولة بالتشريع في إطاره ، وبين الجانب الشخصي الذي يظهر في علاقة الوالد بولده أو المالك بمملوكه أو المستأجر بأجيره وهكذا ، من حيث إنّ الأوّل يصادم بقانونه المباحَ الشرعي بالمعنى الأعم ، فيما الثاني لا يُصادم .
لكن ، وفي مقابل ذلك كلّه ، قد يُقال بأنّ فكرة تحريم الحلال المنهيّ عنها ، لا يُراد بها مطلق المنع عن الحلال ، بل نسبة المنع عن الحلال إلى الشريعة ، أو كون الحلال من الحلال الذي دلّت نصوصه الشرعيّة على عدم قبوله للارتفاع بعروض الشروط والمواضعات البشريّة المؤقّتة عليه ، وبهذا صحّت الشروط في العقود والمعاملات رغم كونها تمنع عن الحلال وتُلزم أحد الطرفين أو كليهما ، مع أنّ النصوص الدينيّة منعت عن الشروط التي تحلّل الحرام وتحرّم الحلال .
وقد قدّم الشيخ مرتضى الأنصاري ( 1281 ه - ) هنا مقاربة مهمّة يمكن أن تنفع في موضوع بحثنا ، حيث قال - وهو بصدد حلّ مشكلة شرعيّةِ الشروط في العقود من زاوية تحريمها للحلال - : « إنّ المراد بالحلال والحرام فيها ما كان كذلك بظاهر دليله حتى مع الاشتراط ، نظير
هامش
( 1 ) الآلوسي ، روح المعاني 5 : 66 .