الأخص ، فإنّ الإباحة عند العديد من الأصوليّين - ومنهم الصدر - على قسمين : اقتضائية وغير اقتضائية ، فإنّها قد تنشأ من خلوّ المباح عن مصلحة في الفعل أو الترك مطلقاً ، فترجع إلى انتفاء مبرّرات غيرها ، وقد تنشأ من مصلحة في أن يكون المكلّف مطلق العنان ، وهو مفهوم ينطبق على المباح بالمعنى الأخص أيضاً « 1 » . نعم لو قلنا بعدم صحّة فرضيّة الإباحة الاقتضائيّة أو قلنا بعدم كون الإباحة حكماً أصلًا ، بل هي عدم حكم ، لم يأتِ هذا الإشكال في طرف المباح بالمعنى الأخصّ .
وهنا نسأل : لو جعلت الشريعة الإباحة بملاكٍ اقتضائي ، فكيف سمح الصدر للدولة أن تفرض شيئاً وتُلغي حالة إطلاق العنان التي رأت الشريعة المصلحة في وجودها ؟ ولماذا لم يفصّلوا بين أنواع المباح من حيث الاقتضاء المذكور وعدمه ؟ أليس ذلك مصادمةً لتوجّهات الشريعة وما تراه من مصالح ومفاسد ، واجتهاداً في مقابل النصّ ؟ ! أليست نصوص بعض المباحات تفيد وجود خاصية الترخيص ، مثل نصوص تحليل الأطعمة المحلّلة الوارد فيها تعبير الطيّبات ، وغير ذلك ؟ ! ومجرّد أنّ المستحب والمكروه والإباحة الاقتضائيّة ليست أموراً إلزاميّةً وإنّما هي أخلاقيّات مثلًا ، لا يُلغي ظاهرة التصادم المذكورة بين ما تراه الشريعة وما تراه الدولة .
فلنلاحظ قوله تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
( البقرة : 172 - 173 ) ، وقوله سبحانه :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ )
( المائدة : 87 - 88 ) ، وقوله تبارك اسمه :
( يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ . . )
( المائدة : 4 - 5 ) ، وقوله عزّ من قائل :
( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
هامش
( 1 ) راجع : الصدر ، دروس في علم الأصول 1 : 148 ، و 2 : 21 .