تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
لواقع نصّي تشريعي أخذ شرعيّته من مكانٍ آخر ، لا من هذا التخريج العقلائي نفسه ، ومعنى ذلك أنّ الصدر استند في تحييد الإلزاميّات على مقتضى أدلّتها الشرعيّة وإطلاقاتها الزمكانيّة ، مكتشفاً - ضمناً - أنّ ناتج هذه الإطلاقات هو ثبات أو عدم تأثير التغيّرات على هذه الإلزامات ، فهو يريد توصيف حال الشريعة التي يعتقد بها في المرحلة السابقة . وكان بإمكان الصدر أن يذكر هنا عنصرين إضافيّين يُظهران التغيير في الأحكام الإلزامية ويقنعان المستشكل هنا ، وهذا العنصران يلتزم بهما الصدر نفسه في اجتهاده الفقهي والأصولي ، وهما : تغيّر الأحكام بتغيّر الموضوعات ، وتغيّر الأحكام الأوّليّة بطروّ موضوع الأحكام الثانويّة ، فلو تحدّث عن التغيير في دائرة الإلزاميّات وفقاً لهذين المبدأين ، والتغيير في دائرة المباحات وفقاً لمبدأ تدخّل وليّ الأمر إلى جانب المبدأين السالفين ، لبدا التغيّر شاملًا لكلّ دائرة التشريعات الدينية تقريباً ، بل في بعض كلماته إشارات لهذا الأمر . واللافت أنّ المستشكل على الصدر هنا هو بنفسه قد ذكر في الإشكاليّة القادمة أنّ الصدر طبّق منطق التزاحم في دائرة الإلزاميّات ! ورغم ذلك كلّه ، يبقى هناك تساؤل لم توضحه نظريّة منطقة الفراغ ، وهو لماذا أمكن تلافي المتغيّرات والاستجابة لها في دائرة الإلزاميّات بمعونة عناصر داخل - نصيّة ، فيما لم تتمكّن الشريعة من تغطية تأثيرات المتغيّر في مجال المباح بالطريقة نفسها ، مما اضطرّها إلى الاستعانة بمشرِّعٍ آخر ، وهو العقل الإنساني المتمثل بعنوان الدولة أو وليّ الأمر ؟ ما هو التفسير الفلسفي والمنطقي لهذه الظاهرة ؟

9 - تلاشي الفرق بين دائرتَي الإلزام والمباح في طبيعة تقنين الدولة

تحدّث بعض الباحثين المعاصرين هنا أنّ السيد الصدر قد قَبِلَ بحدوث تغيّرات في التشريعات الإلزاميّة وفقاً لقانون التزاحم ، بتقدّم المصلحة الأهم على المصلحة ذات الأهميّة ، وأمّا في مجال المباحات فأعطى وليَّ الأمر صلاحية الحكم على أساس المصلحة ، وهنا نسأل : ما هو المجوّز الذي يعطي الدولة صلاحية تغيير المستحبّات والمكروهات ؟ ولن يكون الجواب سوى المصلحة ، وهذا يعني أنّ الدولة رأت مصلحةً أهم من مصلحة أو مفسدة المستحبّ أو المكروه فغيّرت الحكم على أساسه ، وهذا ليس سوى تطبيق آخر لقانون