تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
التزاحم في دائرة المباحات ، فلم يظهر الفرق أبداً بين دائرتي : الإلزام والمباح ! « 1 » . وبعبارة أخرى : إنّ وليّ الأمر - أو الدولة - لا يبدو منطقيّاً منه تجاوز عنصر الرخصة ( إباحة بالمعنى الأخصّ ) أو الترجيح السلبي ( الكراهة ) أو الإيجابي ( الاستحباب ) ، إلا إذا كانت لديه معطيات ترجّح خياراته على هذه الخيارات ، وهذا مرجعه إلى تطبيق قانون التزاحم في هذه الحال ، ومن ثمّ ليس هناك شيء يمكن أن يخرج عن معياريّة قانون التزاحم ، فما هو الداعي لتمييز المباح عن الإلزام في نظريّة منطقة الفراغ ؟ ! لكنّ هذه الملاحظة غير دقيقة انطلاقاً من أصول ومفروضات نظريّة منطقة الفراغ ؛ لما قلناه سابقاً من أنّ الدولة في دائرة المباح لا تستخدم العنوان الثانوي أو قانون التزاحم ، وإنّما تستخدم قانون الولاية والسلطنة المجعولة لها ، فإذا رأت مصلحةً في أمرٍ ما كان لها ممارسة ولايتها للإلزام بتلك المصلحة حتى لو لم تتأكّد أنّ هذه المصلحة أهمّ من مصلحة الإباحة ، فالدولة هنا لا تُخضع عملها لقانون الأصلح ، بل لقانون المصلحة ، والدليل أنّ مصلحة الإباحة - بفروعها الثلاثة - قد لا تكون بيّنةً للدولة أساساً انطلاقاً من خفاء الملاكات والمصالح الكامنة خلف التشريعات الدينيّة ، لا سيما في الاعتقاد الأصولي الإمامي ، الذي انطلق منه كلٌّ من الصدر والمناقِش هنا ، فكيف نطبّق قانون الأصلح في مساحات غير معلومة المصالح دائماً ، مع أنّ الصدر طبّق قانون المصلحة في كلّ دائرة المباح ؟ هذا يعني أنّ نظريّة منطقة الفراغ لا تحصر حركتها بنطاق وزن المصالح والمفاسد ؛ لأنّ وليّ الأمر أو الدولة - تماماً كالفقيه - ربما يعجزان عن تحديد مستويات المصالح أو المفاسد في التشريعات الأوليّة في دائرة المباح بالمعنى الأعم ، ومع ذلك فإنّ دليل الولاية يسمح لهما مثلًا - وفقاً لنظريّة منطقة الفراغ - بسنّ القوانين على أساس ما يريانه من المصلحة . أمّا هل هذا الموقف من نظريّة منطقة الفراغ - السماح لوليّ الأمر بذلك ضمن نظريّة المصلحة في حدود المباحات بالمعنى الأعم - صحيحٌ أو أنّه يمكن تسجيل ملاحظة نقديّة عليه ؟ فهذا بحث آخر ، وهو ما سنتعرّض له في المداخلة العاشرة الآتيّة ، فهذه المداخلة النقديّة تسلّط الضوء على عدم وجود فرق في آليّات عمل الدولة بين نطاق الإلزامات ومجال المباحات ، وجوابنا عليها كان من
هامش
( 1 ) معزي ، ثبات الشريعة ، قبسات 2 : 18 - 19 .