من الجعل التشريعيّ للأحكام التكليفيّة نفسها ، ومن الواضح أنّ الأمر الانتزاعي ليس له تحقّق خارجي إلا لمنشأ انتزاعه ، وليس هنا إلا الحكم التكليفيّ « 1 » .
من هنا يُفهم أنّ الصدر لا يرى كينونةً للحكم الوضعي ، وأنّه ينظر إلى ما وراءه ، فلو أرادت الدولة إبطال عقدٍ صحيح - بوصف الصحّة والبطلان حكماً وضعياً - فإنّما مرجع هذا إلى تغيير الأحكام التكليفيّة المترتبة على صحّة العقد ، فإنّ هذا التغيير هو الذي نسمّيه - صياغةً - إبطالًا للصحيح .
وعليه ، فهذا الإشكال الراجع إلى دعوى قصور نظريّة منطقة الفراغ غيرُ صحيح .
8 - ادّعاء عدم مساس المتغيّرات بالإلزامات الشرعيّة !
ذكر بعض الباحثين المعاصرين أنّ نظريّة الصدر بحصرها دائرة منطقة الفراغ بمجال المباحات من جهة ، وحديثها عن الجانب الثابت والمتغيّر في علاقات الإنسان مع الإنسان والطبيعة من جهة ثانية ، تقول - استنتاجاً - بأنّ وليّ الأمر أو الدولة لا يمكنهم - رغم كلّ التغييرات - التدخّل في دائرة الإلزامات الشرعيّة ، ومن ثم فالمتغيّر بكلّ مساحاته لا يشكّل تهديداً للجانب الإلزامي من الشريعة ، حتى تضطرّ لإعطاء الدولة صلاحية التدخّل وفق ما تراه من المصلحة . وهذه الدعوى - أي أنّ المتغيّر لا يؤثر على مساحة الإلزام - دعوى تحتاج إلى دليل ، ولم تُقم نظريّة منطقة الفراغ أيَّ دليل على ما تدّعيه هنا « 2 » .
وهذا الإشكال قد يكون صحيحاً من الزاوية العقلائيّة المخارجة للنصّ الديني والاعتقاد به ، لكنّه لا يبدو صحيحاً من زاوية داخل - دينيّة ؛ لأنّ السيّد الصدر إنّما انطلق في واقع الحال من أخذ النصوص الدينية أساساً في نظريّة منطقة الفراغ ؛ فهذه النظريّة تكييف أو تخريج عقلائي
هامش
( 1 ) انظر : الصدر ، دروس في علم الأصول 2 : 14 - 15 .
( 2 ) انظر : معزّي ، ثبات الشريعة ، قبسات 2 : 18 ؛ وأحمد مبلغي ، الثابت والمتغيّر في الفقه الإسلامي قراءة في جهود التيّار النهضوي ، مجلّة الاجتهاد والتجديد ، العدد 1 : 213 ؛ ومحسن إسماعيلي ومحمد رضا أصغري شورستاني ورضا رشيدي ، تأمّلي در نظريه منطقة الفراغ از منظر شهيد صدر ونقدها ونقص هاى آن ، مجلّة دانش حقوق عمومي ، العدد 8 : 57 ؛ وحسن علي أكبريان ، الثابت والمتغيّر في الأدلّة النصيّة : 91 - 92 .