ولا يهمّنا هنا قدرة الفقه على الإجابة عن المتغيّر الجديد في الحياة الإنسانيّة ، إنّما يهمّنا رصد هذا التمييز بين المتغيّر الداخل - إنساني ، والمتغيّر الإنساني مع الطبيعة ، فإنّه يبدو غير واضح ، فإمّا كلاهما لم يحدث فيه تغيّر مخلّ ومؤثر أو أنّه قد حدث فيهما معاً .
7 - فجوة الأحكام الوضعيّة في نظريّة الفراغ ، نقد وتعليق
صوّر بعض الباحثين المعاصرين فجوةً وفراغاً في نظريّة الفراغ نفسها ، حيث ذهب إلى أنّ نظرية الصدر تدور بين الإلزاميّات والمباحات ، وأنّ منطقة الفراغ ترتبط بالجانب المباح لا بجانب الإلزام ، لكنّ هذه النظريّة لا تحدّد لنا الموقف من الأحكام الوضعيّة التي لا علاقة لها في حقيقة الأمر بالإلزام ولا بالمباح معاً ، فهل تدخل الأحكام الوضعيّة في دائرة منطقة الفراغ أو لا ؟ « 1 » .
إلا أنّ هذا الإشكال يمكن الجواب عنه من خلال رصد فكرة الصدر عن الأحكام الوضعيّة ؛ فإنّه في مباحثه الأصوليّة رأى أنّ الأحكام الوضعيّة ليست سوى صياغات تنظيميّة تابعة للأحكام التكليفيّة ؛ لأنّ الصدر يقسّم الأحكام الوضعيّة إلى قسمين :
القسم الأوّل : ما يقع موضوعاً للحكم التكليفي ، كالزوجيّة الواقعة موضوعاً لوجوب الإنفاق على الزوج ، والملكية الواقعة موضوعاً لحرمة تصرّف الآخرين في المال دون إذن المالك .
وهذا النوع من الأحكام الوضعيّة يراه الصدر من نوع الاعتبارات التي تملك جذوراً عقلائيّة ، والغرض منها تنظيم الأحكام التكليفيّة وتسهيل صياغتها تشريعاً ، فبدل إلقاء مائة حكم مبعثر ، فإنّ جعل عنوان الزوجيّة يمكنه أن يشكّل مركزاً جاذباً لهذه الأحكام تدور حوله ، وهكذا يتمّ فرز الأحكام التكليفيّة على شكل مجموعات ، تدور كلّ مجموعةٍ منها حول منطقة معيّنة تسهيلًا للتنظيم القانوني .
القسم الثاني : ما كان من الأحكام الوضعيّة منتزعاً عن الحكم التكليفي ، مثل جزئيّة السورة المنتزعة عن الأمر التكليفي بالفعل المركّب منها ومن غيرها ، وشرطيّة الزوال لوجوب صلاة الظهر المنتزعة من جعل الوجوب عند الزوال ، وهكذا . .
وفي هذا النوع من الأحكام الوضعيّة ليس هناك جعلٌ مستقلّ للحكم ؛ لأنّه مجرّد أمر منتزع
هامش
( 1 ) معزّي ، ثبات الشريعة ، قبسات 2 : 17 - 18 .