طرأت بعد العصر النبويّ لا تؤثر على الإنسان لتحيجه إلى نبوّةٍ جديدة ؛ لأنّها تمحورت حول جانب علاقات الإنسان بالطبيعة وتسخيرها أكثر من علاقات الإنسان بأخيه الإنسان « 1 » .
والذي يبدو أنّ الصدر يقرّ بوجود تغيّرات في الحياة الإنسانيّة ، بيد أنّه تصوّر أنّ هذه التغيّرات لم تُحدث نسقاً جديداً في العلاقة بين الإنسان والإنسان من حيث العناوين الكلّية في التعاون والتعاضد والاستغلال والسرقة والتكافل وغيرها من العناوين ، وإنّما اتّسع النطاق الميداني في حركة هذه المفاهيم المهيمنة على العلاقات الإنسانيّة .
وما أرجّحه هو أنّ الحقّ مع الناقد هنا ، وقد كان نقده هذا يجول في ذهني دائماً ، وقد اعتقدت وما أزال بأنّ هذا التصوير في حجم التغيّرات التي طرأت على نظام علاقات الإنسان بالإنسان والطبيعة لا يمكن الاقتناع به ، وأنّه يشكّل تبسيطاً للمشكلة ، والغريب أنّ الصدر قد قبل بالتغيّر في النبوّات نتيجة منطق التحوّل في العلاقات ، فكيف نتصوّر تحوّلًا في علاقات الإنسان بأخيه وبالطبيعة خلال قرابة ستة قرون تفصل بين النبي عيسى عليه السلام والنبي محمّد صلى الله عليه وآله احتاجت معها الإنسانيّة إلى ديانة جديدة بديلة عن ديانةٍ وشريعة أتى بها أحد الأنبياء من أولي العزم ؟ وما الذي حصل خلال القرون الستة هذه ؟ فيما نقنع أنفسنا بأنّ ما حصل خلال 1400 عام بعد النبوّة الخاتمة لم يستدع إطلاقاً أيّ حاجة إلى نبوّة جديدة ، ولم يَرْقَ إلى مستوى التحوّل الذي حصل خلال تلك القرون الستّة الأولى الميلاديّة ؟ خاصّة ونحن نقدّم مقاربة فلسفيّة خارج - دينيّة في معالجة موضوع ختم النبوّة ، الأمر الذي يفرض علينا تقديم تفسيرات لمختلف القضايا ذات الصلة بصُلب الموضوع .
فإذا كان مراد السيد الصدر مرجعيّة العناوين العامة المهيمنة على أشكال علاقات الإنسان بالإنسان ، فإنّ منطق العناوين العامة يمكن أيضاً تطبيقه في مجال علاقة الإنسان بالطبيعة كعناوين الاستثمار والتوظيف وغيرها ، وإذا أريد النظر إلى حجم المتغيّرات بملاحظتها تفصيلًا ، فإنّ ما حدث في جوانب الارتباطات الاجتماعيّة لا يقلّ عما حدث في غير ذلك ، من خلق حقوق جديدة وأوضاع جديدة ، استدعت أسئلةً جديدة ، حار الفقهاء في تخريجها القانوني وتكييفها الفقهي .
هامش
( 1 ) انظر : التجديد والتغيير في النبوّة : 99 - 101 ( ضمن سلسلة الأعمال الكاملة ، ج 20 ) .