تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩

6 - وهم الثبات في العلاقات الإنسانيّة والتغيّر في العلاقة مع الطبيعة

طرح بعض الباحثين المعاصرين إشكاليّةً هنا ، وهي أنّ السيد الصدر يعتقد بثبات علاقة الإنسان بأخيه الإنسان ، على خلاف علاقة الإنسان مع الطبيعة ، حيث يظلّ الإنسان في حالة إبداع فكري وبحث دؤوب في معرفة الطبيعة واستثمارها ، ومن هنا لم يضع الإسلام أيّ برنامج ثابت في علاقة الإنسان مع الطبيعة على خلاف علاقته بالإنسان ، وحيث كانت المتغيّرات ناشئة من جانب العلاقة مع الطبيعة ، فهذا معناه أنّ البرنامج الإسلامي لا يتعرّض لأيّ اختراق . والإشكاليّة التي تواجه الصدر هنا تكمن في عدم إقامته أيّ دليل على دعوييه هاتين ، مع أنّ واقع الحال يكشف عن وجود ثبات وتغيّر معاً في العلاقتين معاً أيضاً ، علاقة الإنسان بالطبيعة وعلاقته بأخيه الإنسان ، بل إنّ تطوّر علاقة الإنسان مع الطبيعة يؤدّي إلى تغيّر علاقته بأخيه الإنسان ، فإنّ التطوّر العلمي يؤدّي - مثلًا - إلى تسهيل العلاقات العامة وتسريعها ، الأمر الذي يولّد أوضاعاً جديدة تتطلّب قوانين جديدة وأحكاماً قضائيّة جديدة ، فالخروج من العصر الزراعي إلى العصر الصناعي يحوّل نسق الحياة كلّها ويتطلّب قوانين جديدة ويخلق حقوقاً جديدة أيضاً ، مثل قضايا البنك والأموال والبورصة وغير ذلك . ولا يقف الأمر عند تأثير التطوّرات على العلاقات الإنسانيّة ، بل إنّ التطوّر يقع مباشرةً في دائرة العلاقات أيضاً ، كقضايا عقود التأمين ، الأمر الذي يفضي للتأكيد على أنّ الحاجات الثابتة والمتحوّلة موجودة معاً في المجالات كافّة « 1 » . وهذا الإشكال يبدو لي أنّه من أقوى الإشكالات التي تواجه نظريّة الصدر ، رغم أنّ الصدر كان ملتفتاً في الجملة إلى تأثير التغيّرات في العلاقة مع الطبيعة على البرنامج الشرعي كما ألمح إلى ذلك الناقد نفسه في موضوع آخر من دراسته النقديّة هذه « 2 » ، وبيّنا ذلك عند شرح نظريّته ، لكنّ التفاتة الصدر هذه كانت محدودة التأثير على تكوينه لنظريّته العامّة . والذي يؤكّد ما نقول أنّ الصدر استعان بنفس هذا التقسيم في بحثه حول خاتميّة النبوّة ؛ ليُثبت أنّ التطوّرات التي
هامش
( 1 ) حسين ميرمعزّي ، ثبات الشريعة وإدارة التغيّرات الاجتماعية والاقتصادية ، مجلّة قبسات ، العدد 2 : 15 - 17 ؛ وشموليّة الشريعة ، مجلّة الاجتهاد والتجديد ، العدد 38 - 39 : 24 - 25 . ( 2 ) مير معزي ، ثبات الشريعة : 17 - 18 ؛ وانظر : اقتصادنا : 802 - 803 ؛ والمدرسة القرآنية : 171 - 174 .