تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
الاجتماع السياسي والاقتصادي للبشر لا تكفي فيها منظومة الأحكام القانونيّة الأوليّة والثانويّة ، بل نحن نحتاج لنوع ثالث من الأحكام تقوم به الخبرة والتجربة الإنسانيّة بهدف سدّ الفراغات تارةً أو القدرة على إدارة تطبيق الشريعة تارةً أخرى . إلا أنّه من الواضح أنّ الحاكم إذا لم ينطلق سوى من الأحكام الأوليّة والثانويّة ولم يكن سوى منجِّزٍ لها ، فلا تكشف فكرة الحكم الحكومي عن خللٍ أو نقص أو ثغرة في البُعد الشموليّ في المنظومة القانونيّة في الإسلام ، ولهذا قلنا بأنّ تعريف الحكم الحكومي بأنّه مجرّد إنشاء إنفاذ ، وعدم السماح بوجوده في غير هذه الدائرة ، يخفّف جدّاً إشكاليّة التنافي مع الشموليّة ، بخلاف انطلاقه من نظريّة الولاية والمصلحة بعد توسعة مفادهما كما تقدّم ، وبإمكان القارئ مراجعة نصوص عدّة - ألمحنا سابقاً لبعضها - لرموز كبار من أنصار فكرة الحكم الحكومي ؛ ليتأكّد أنّ هذه الفكرة ليست سوى إنشاء لنوع ثالث من التقنين مخارج للأحكام الأوليّة والثانويّة التي تمثل مجمل الشريعة الإسلاميّة .

5 - منطقة الفراغ بين المجال الاقتصادي وحلّ المعضلة القانونية العامّة

ذكر بعض الباحثين أنّ السيّد الصدر طرح نظريّته هذه في نطاق القضايا الاقتصاديّة ، وأنّه حصر منطقة الفراغ ومعادلاتها في هذا السياق ، مع أنّ النظريّة لا تختصّ بذلك « 1 » . وهذا ما يشكّل إشكاليّة نقديّة على هذه النظريّة . لكنّ هذا الكلام غير دقيق ؛ فإنّ الصدر وإن طرح هذه النظريّة في كتاب « اقتصادنا » وفي سياق بحثه حول الاقتصاد الإسلامي ، إلا أنّه لم يحصرها بهذا الموضوع ، بل استعان بها - بوصفها قانوناً عاماً - في مجال بحثه الاقتصادي دون أن يقول بهذا الحصر إطلاقاً ، ولذلك نجد لها حضوراً أوسع في كتاب « الإسلام يقود الحياة » بصياغة عامّة . بل إنّ طرح نظريّة - لها في ذاتها قدرة التعميم - ولو ضمن سياق خاص ، لا يبرّر نفي التعميم عنها ، بل الأصحّ اكتشاف عناصر العموم فيها ، وإلغاء مستلزمات السياق الموردي .
هامش
( 1 ) دائرة معارف فقه مقارن 1 : 225 ، الهامش : 2 ؛ وهي دراسة تمّت تحت إشراف الشيخ ناصر مكارم الشيرازي ، ونشرت مترجمةً للعربيّة في مجلّة الاجتهاد والتجديد ، العدد 38 - 39 : 27 ، الهامش رقم 17 ، بعنوان : شموليّة الشريعة نقد نظريّة الفراغ القانوني في الإسلام .