كذلك ، فلو أنّ الحاكم انطلق في حكمه الحكومي لتكريس حكم أوّلي ليس من عنوان ثانوي طارئ ، بل عن مصلحة عادية غير استثنائية رآها ، فهذا لا يسلب عن حكمه صفة حكم الحاكم أو الحكم الحكومي ، كما هو واضح .
ثالثاً : إنّ نقطة الإشكال في هذه النظريّة هي أنّها لاحظت مضمون الحكم الحكومي وربطته بالعناوين الثانويّة ، أو لاحظت ملابسات صدور الحكم الحكومي وربطتها كذلك :
أ - ففي الحالة الأولى ، لم تقترب هذه النظريّة من هويّة الحكم الحكومي ، بل اقتربت من مضمونه وأهدافه ، ومعنى ذلك أنّ الحكم الحكومي ليس إخباراً عن حكم ثانوي أو أوّلي ثابت من قَبل ، وإلا لم يكن فرقٌ بين حكم الحاكم بثبوت الهلال وبين إخباره لنا - بوصفه ثقة - بثبوت الهلال ، فهذه النظريّة لم توضح لنا حيثيّة ( الحكم ) بوصفه سمة بارزة في الخطوة القانونيّة التي قام بها الحاكم .
وعليه ، فما قام به الحاكم هو نشاطٌ قانوني من نوع خاصّ ، مغاير للحكم الثانوي الموجود من قبل ، وكذلك مغاير للحكم الأوّلي الموجود من قبل على تقدير وجودهما ، حتى لو تشابه في الأغراض والمؤدّيات معهما ، لكنّه في ذاته خطوة قانونية مغايرة وجديدة وعنصر إضافي تحقّق في البَين ، وبحثنا هو في هذا العنصر الإضافي نفسه ، ما هي هويّته ، إذ من الواضح أنّه لو كان عين الحكم الأوّلي أو الثانوي الثابت من قبل ، فهذا يعني أنّه لم نضع تمييزاً في الهويّة القانونيّة بين الحكم الحكومي والحكم الشرعي الأوّلي أو الثانوي المراد بالحكم الحكومي تنجيزهما ، وبهذه الطريقة نكتشف أنّ الحكم الحكومي لا ربط له بالحكم الأوّلي أو الثانوي الموجود في مداره على تقدير وجوده ، بل الحكم الحكومي كيان قائم بنفسه يكون الحكم الأوّلي أو الثانوي غرضاً له ومادّة ، وليس هو عينه ، ولا أنّه مندرج فيه .
إنّ ربط الحكم الحكومي بالعناوين الثانوية يتضمّن ربطه بالأحكام الثانوية الثابتة على هذه العناوين ، وهذا ما يخلق المشاكل التي ذكرناها .
ب - وأمّا في الحالة الثانية ، فنحن نلاحظ العلاقة بين إصدار الحاكم للحكم الحكومي وبين الملابسات الزمانية الطارئة ، بمعنى النظر في مبرّرات قيامه بهذه الخطوة القانونيّة ، ومن الواضح أنّ مبرّرات قيامه قد تكون عناوين ثانويّة تلحقه بوصفه مكلّفاً ، وأخرى لا يكون في البين شيء من هذا القبيل كما قلنا آنفاً ، ومن ثم فالحكم الحكومي في مقام مبرّرات إصداره ليس ثانويّاً
شمول الشريعة — صفحة 352
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٥٢