حركة الدولة وإعجازاً لها عن ممارسة نشاطها بشكل حرّ .
ويمكن التعليق على هذه النظريّة ؛ وذلك :
أوّلًا : إنّ نسبة هذه النظريّة للسيد الصدر تحتاج لتحليلٍ راجعٍ إلى شرح هويّة هذه النظريّة ، حيث يمكن طرح تفسيرين لهذه النظريّة ، هما :
التفسير الأوّل : أن يكون المراد أنّ نفس حكم الحاكم ليس سوى تعبير عن حكم ثانوي إلهي ، والحاكم في نشاطه هذا ليس سوى انعكاس للأحكام الثانويّة ، وهو لا يتحرّك في سياق إنتاج أو استجابة لحكمٍ أوّلي في دائرة منطقة الفراغ ، وإنّما هو يستجيب للعناوين الثانويّة التي توجّه حركته لتُنتج عبره الأحكام الحكوميّة الإلزاميّة ، وإلا لو استجاب للأحكام الأوّليّة في دائرة منطقة الفراغ فلن يكون هناك شيءٌ جديد ؛ إذ لن تكون سوى الإباحة المفروض وجودها من قبل .
التفسير الثاني : أن يكون المراد أنّ حكم الحاكم بعد صدوره يخلع على الفعل المباح بالعنوان الأوّلي عنواناً جديداً ، وهو كونه محكوماً بحكمٍ حكومي ، فهذه الصفة الثانويّة تحوّل الفعل من حالته الأوّليّة المتصفة بالإباحة إلى حالته الثانويّة المتصفة بالحكم الحكومي ، فيتحوّل - تبعاً لتحوّل العنوان - إلى الإلزام بعد أن كان مباحاً ، فهو مباحٌ أوّليّاً بعنوانه ، وملزم ثانويّاً بعد عروض صفةِ كونه محكوماً بحكم الحاكم عليه .
الذي يبدو من الذين نسبوا نظرية ثانوية الأحكام الحكوميّة للسيد الصدر أنّهم فهموا كلامه ضمن التفسير الأوّل ، وهذا في تقديري غير دقيق ، فعبارة الصدر التي استُخدمت لنسبة هذه النظريّة إليه ، لا تعبّر عن اعتقاده بكون الحكم الحكومي بنفسه حكماً ثانويّاً بالتفسير الأوّل ، فكأنّ استخدامه تعبير ( الثانويّة ) أوحى بأنّه يرى ذلك ؛ لكنّ السيد الصدر لا يقصد أنّ حكم الحاكم هو حكم ثانوي بهذا المعنى ، بل يقصد أنّ الحاكم يتخطّى العنوان الأوّلي نحو مرحلة أخرى ، تُنتج الثانوية بالتفسير الثاني الآنف ، دون أن يبيّن لنا أنّ حركة الحاكم منحصرة بمفهوم العنوان الثانوي الموجود في الفقه ، ولهذا نسب الصدر في عبارته المتقدّمة صفة الثانوية للحاكم ، حيث قال بأنّه هو الذي يمنح الفعلَ صفةً ثانويّة ، وهذا منسجم مع التفسير الثاني الآنف الذكر للموضوع .
شمول الشريعة — صفحة 350
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٥٠