المسلمين ، ونصب الولاة في الأصقاع ، وإلا فصرف الأحكام ليس بإسلام . بل يمكن أن يقال : الإسلام هو الحكومة بشؤونها ، والأحكام قوانين الإسلام ، وهي شأنٌ من شؤونها ، بل الأحكام مطلوبات بالعرض ، وأمور آليّة لإجرائها وبسط العدالة . فكون الفقيه حصناً للإسلام كحصن سور المدينة لها ، لا معنى له إلا كونه والياً ، له نحو ما لرسول الله وللأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين من الولاية على جميع الأمور السلطانيّة . وعن أمير المؤمنين عليه السلام : « الجنود بإذن الله حصون الرعيّة . . » إلى أن قال : « وليس تقوم الرعيّة إلا بهم » ، فكما لا تقوم الرعيّة إلا بالجنود ، فكذلك لا يقوم الإسلام إلا بالفقهاء الذين هم حصون الإسلام ، وقيام الإسلام هو إجراء جميع أحكامه ، ولا يمكن إلا بالوالي . . « 1 » .
بضمّ هذين النصّين مع بعضهما إلى النصوص السابقة للسيد الخميني ، تظهر النتيجة الآتية : إنّ أهم أحكام الإسلام هي إجراء القوانين وإقامة العدالة وبسطها في الحياة الاجتماعيّة والسياسية والاقتصاديّة ، والحاكم هنا يقوم بعملية الإجراء هذه ، وحيث إنّ الحاكم ليس له روح في حكمه غير الإنشاء ، وحيث إنّ خلف حكمه تكمن العدالة والقوانين الإسلاميّة ، فهذا يعني أنّ حكم الحاكم هو عبارة عن تطبيق للأحكام الأوّلية التي يقف على رأسها قانون العدالة ، فالحاكم يشخّص مصداق العدالة ويقوم بوضع القوانين الحكوميّة لإجراء هذه العدالة على أرض الواقع ، فكما أنّ تطبيق حكم دفع الزكاة للفقير على زيد الفقير أو عمرو المسكين ليس سوى تطبيق للأحكام الشرعيّة ، كذلك الأحكام الحكوميّة التي تمثل تطبيقات للعدالة وحفظ الإسلام والتي هي أهمّ الأحكام الأوّليّة . والنتيجة هي أنّ تطبيق الحكم الأوّلي ليس سوى حكمٍ أوّلي لا غير .
هذه المحاولة - أعني التحليل الثالث - يمكن مناقشتها من جهات :
أ - سوف يأتي بالتفصيل لاحقاً الحديث عن هذه النقطة ، وهي أنّ مفاهيم من نوع العدالة والمساواة والحقوق وتطبيق الإسلام وإقامة الحقّ وإجراء القسط وغير ذلك ، ليست قوانين أو أحكاماً أوّليّة ، بل هي منشأ القوانين والأحكام وهي غاياتها أيضاً ، فالمقنّن يجعل القوانين منطلقاً من صورة العدالة الذهنيّة التي عنده ، والتي يَنْشُدُها من خلال وضع هذه القوانين ،
هامش
( 1 ) كتاب البيع 2 : 632 - 633 .