ومُجري القوانين يتحرّك عملانيّاً بهدف الوصول الميداني الخارجي للعدالة عبر هذه القوانين ، فلا تصنّف القوانين على أنّها تطبيقات للعدالة بحيث تُسلب عنها صفة التشريع ، فإنّ هذا التباسٌ في التعامل مع المفردات ، ولا نريد أن نكون ضحايا لعبة ألفاظ هنا . وعليه فكيف يمكن الجمع بين شموليّة الشريعة وبين فكرة الحكم الحكومي بناء على هذا التفسير لها ؟ ! ألم يكن بإمكان المولى أن يُصدر قانوناً واحداً اسمه وجوب العدل مع الله والإنسان والطبيعة والنفس ، لكي تكون هذه الجملة شريعة شاملة متكاملة ؟ ! بل بناءً عليه يكفي أن تأمر الشريعة بالعدالة لكي يضع البشر القوانين قاصدينها فتكون بذلك منظومة قانونيّة متكاملة !
وعليه ، فتصوير الموقف على أنّه مجرّد تطبيق للعناوين الأوّلية ، وبهذا يكون الحكم الحكومي أوّليّاً ، غير دقيق .
ب - إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا لا يكون الحكم الحكومي أوّليّاً تارةً وثانويّاً أخرى ؟ إذ من الواضح أنّ الحاكم تارةً ينطلق من تطبيق العنوان الأوّلي وأخرى من تطبيق العنوان الثانوي ، فكيف نصف حكمه على تقدير كونه قد انطلق فيه من العناوين الثانويّة ؟ ! هل نصفه بالثانوي والأوّلي معاً ؟ ! أو نصفه بالثانوي والمفروض أنّ الحكم الحكومي أوّلي وفق هذا التفسير ، علماً أنّ تطبيق العنوان الثانوي يقع في سياق إجراء كليّات العناوين الأوّليّة كالعدالة ؟ ! فكيف يكون تصوير الموقف هنا بشكل مقنع ؟ فهل يصبح الحكم الثانوي أوّليّاً لكونه وقع في صراط تطبيق الحكم الأوّلي الذي من نوع العدالة ؟ ! وكيف ؟
ج - ثمّة إشكاليّة تفسيريّة هنا تتعلّق بوفاء هذا التفسير بتقديم توضيح لمجمل كلمات السيّد الخميني ، وذلك أنّ بعض عباراته تدلّ على أنّه يقبل بالأحكام الحكوميّة الثانويّة ، فهو يصف حكم الميرزا الشيرازي بكونه حكماً حكوميّاً ثانويّاً « 1 » ، وهذا موضوع تفصيلي لا يهمّنا هنا ، لكن يجب على من يقدّم تفسيراً لكلمات السيد الخميني أن يُفهمنا بوضوح هذا الموضوع ضمن تفسيره لكلامه .
وبهذا يتبيّن أنّ الحديث عن كون الحكم الحكومي حكماً أوّليّاً بالمعنى السائد للحكم الأوّلي في اصطلاحات علماء الفقه والشريعة ، أمرٌ لا دليل عليه ، بل الدليل قائم على خلافه ، بصرف
هامش
( 1 ) انظر : صحيفة امام 20 : 457 .