والذي يبدو - لو أخذنا مختلف تعريفات الحكم الحكومي ومساحته - أنّ أقرب التصويرات في التمييز بين الأوّلي والحكومي هو التصوير بملاحظة جاعل الحكم ، فليس جاعل الحكم الأوّلي سوى الله ، بينما جاعل الحكم الحكومي هو الإنسان ، ولو للحفاظ على الحكم الأوّلي المجعول من قبل الله ، والذي قد يكون بنفسه متعلّقَ الحكمِ الحكومي ، ومن ثمّ يكون الحكم الحكومي شاملًا لكلّ الصيغ القانونيّة التي يجعلها الإنسان في الشؤون الفرديّة أو غيرها ، وتهدف لغاية ولو كانت هي مجرّد تنجيز الأحكام الأوّلية أو غيرها ، وإذا قلنا بأنّ جميع الشريعة قد تمّ تبيينه من قبل القرآن والنبيّ ، ففي هذه الحالة سينتج عن الفرق المتقدّم أنّ الأحكام الأوليّة مجعولة مسبقاً ولا مجال لفرض الجعل القادم فيها بعد فرض خاتميّة الشريعة وعدم إمكان النسخ بعد وفاة النبيّ ، أمّا الأحكام الحكومية فهي دائماً في معرض الجعل ولا تتوقّف ؛ انطلاقاً من كون جاعلها هو الإنسان الذي يلاحظ الملابسات الزمكانيّة في جعلها .
وعلى أيّة حال ، فكلّ هذا التمييز بين الأوّلي والحكومي ليس له معنى إلا إذا قلنا بأنّ الحكم الحكومي في ذاته غير منسوب إلى الله سبحانه ، أمّا لو جعلناه منسوباً له تعالى - على مثل الجعل بالواسطة - فسوف يكون حكماً أوّليّاً أحياناً وثانويّاً أحياناً اخَر ، ومن ثمّ لا معنى لهذا الكلام إلا عبر تعديل الصياغة بأنّ نقول بأنّ المائز بين الحكم الأوّلي المباشر وغير المباشر هو الفاعل المباشر للجعل القانوني . وسيأتي الحديث عن كون الحكم الحكومي أوّليّاً أو ثانوياً أو مغايراً لهما .
4 - 4 - الحكم الحكومي والحكم الثانوي ، مميزات وخواصّ
بالانتقال من التمييز بين الأوّلي والحكومي إلى التمييز بين الثانوي والحكومي ، يمكن طرح عدّة أشكال للتمييز ، أبرزها :
1 - إنّ الحكم الثانوي ينطلق من العناوين الثانويّة التي جعلت الشريعة في موردها أحكاماً ، مثل حالة الضرر التي رتّبت الشريعة عليها حكماً أو حالة الحرج أو الإكراه أو الاضطرار أو التقيّة أو نحو ذلك ، وكذلك حالات التزاحم وتقديم الأهم على المهم . بينما الحكم الحكومي ينطلق من تشخيص الحاكم للمصلحة ، بحيث يدعوه ذلك لجعل الحكم بهدف تحقيق تلك المصلحة . نعم ، عروض العنوان الثانوي يكون أحد المناشئ التي تساعد الحاكم على تشخيص المصلحة . وبعبارة أخرى : دائرة الحكم الثانوي هي العناوين الثانويّة بينما دائرة الحكم الحكومي