الحاكم ، ففي هذه الحال سوف يشمل الحكم الحكومي تلك الأحكام الواقعيّة - وربما الأوّليّة - التي وقعت موقع حكم الحاكم بهدف تنجيزها على المكلّفين غير العالمين بها ، فهنا مبرّرات الحكم كانت من قبل الشارع سبحانه ، لا من قبل الحاكم ، والجاعل الحقيقي للحكم هو الله ، والحكم الحكومي ليس سوى صيغة قانونيّة تنجيزيّة وليست إنشاء حقيقيّاً لقانون أو حكم ، ما لم نقل بأنّ نفس نسبته للإنسان ولو بهذا المقدار يشكّل تمايزاً ، كما سوف نقوّيه لاحقاً فانتظر .
هذا ، ووفقاً لهذا المعيار في التمييز سيكون حكم القاضي حكماً حكوميّاً ولائيّاً ، وربما لا يكون ذلك مستساغاً عند بعض ، بل يُلاحظ تمييز بعض بين الحكم الولائي والحكم القضائي .
التصوير الثالث : التمايز بملاحظة المساحة ، وذلك عبر القول بأنّ مساحة الحكم الحكومي خاصّة بالأمور الاجتماعيّة العامّة ، بينما مساحة الحكم الأوّلي أعم من الاجتماعي والفردي .
وهذا التمييز قائم على افتراض أنّ الحكم الحكومي لا يشمل الشؤون الفرديّة ، أمّا لو قلنا بأنّ حكم القاضي هو حكمٌ حكومي ، ففي هذه الحال هو يشمل القضايا الفرديّة أحياناً ، كما في معاقبته تارك الصلاة أو المستمني ، وكذا لو قلنا بأنّ دائرة ولاية وليّ الأمر تشمل الشؤون الفرديّة للأشخاص ؛ انطلاقاً من إطلاق كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، علماً أنّ التمييز بين الأمر الفردي والأمر غير الفردي يحتاج لتحليل ، فإيجاب الصلاة اليوميّة الفرادى - وليس الجماعة - على الأفراد ، هل هو شأن فردي بحت أو شأن اجتماعي مجتمعي ، بحيث يترك تأثيره على الحياة الاجتماعيّة عموماً ؟
إنّ هذا تابعٌ لتعريفنا للحكم الاجتماعي ، فإذا عرّفناه بأنّه كلّ حكم يترك تأثيراً أو تلاحظ فيه المصالح الاجتماعيّة ولو مع ملاحظة غيرها ، فإنّ أغلب الأحكام الفرديّة هي أحكام اجتماعيّة ، كيف والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، وهما مفهومان شديدا الصلة بالحياة المجتمعيّة ، أمّا لو عرّفناه بأنّه الحكم المتعلّق بتحديد الموقف من العلاقات الفردية بالاجتماع العام ، لا بمطلق الآخر ، ففي هذه الحال يمكن التمييز بين الحكم المجتمعي والحكم الفردي ؛ لأنّ الصلاة ليست قائمة في جوهرها على تحديد مواقف من علاقة الفرد بالجماعة ، وإن كانت تترك تأثيراً على علاقته بها ، بينما المشاركة في الجهاد شأن يربط علاقة الفرد بالاجتماع العام .
بل ثمّة إشكاليّة هنا ، وهي أنّ هذا التصوير إن أريد به أنّ الحكم الأوّلي حكمٌ فردي ، والحكومي حكم اجتماعي ، فيلزم منه فرض جميع الأحكام الاجتماعيّة الواردة في الكتاب
شمول الشريعة — صفحة 335
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٣٥