دور الفقيه بأوسع من هذا ، ومن ثمّ فكلّ تصرّف للفقيه ولو بدا أنّه تأسيسٌ لشيءٍ ما ، إلا أنّه في نهايته ليس سوى تطبيقٍ لعنوان أوّلي أو ثانوي على الواقع ، فمنع الفقيه للحجّ مرجعه لوقوع التزاحم بين الحجّ وحفظ المصالح العامّة للمسلمين ، أو التزاحم بينه وبين ضرورة الحفاظ على قوّة ومكانة الدولة الإسلاميّة وهكذا .
التوجّه الثاني : وهو التوجّه الذي يوسّع من مساحة الحكم الحكومي ، نحو القول بأنّ وليّ الأمر يقوم بسنّ قوانين إلى جانب القوانين الشرعيّة ، ولا يخضع في سنّ هذه القوانين لتنجيز حكم ثابت من قبل ، بل يخضع لقانون المصلحة ، وليس الأصلح ، اعتماداً في ذلك على سلطة الولاية الممنوحة له من الشرع ، تماماً كما شرحنا ذلك سابقاً . بل قد يتعدّى الأمر لجعل نظره المصلحي بهذا المعنى مقدّماً على جميع الأحكام الأوّليّة والثانويّة ، من ناحية كونه منح شرعاً تقدّماً من هذا النوع ، فكانّ حكمه مقدّماً عليها جميعاً .
بل حتى لو قلنا بمرجعيّة العنوان الثانوي هنا ، تظلّ الحالة تقنينيّةً ؛ لأنّ تطبيق العنوان على الواقع تارةً يكون من دون توسّط جعولات قانونيّة ، وأخرى عبر سلسلة جعولات قانونيّة بهدف تحقيق هذا التطبيق ، وفي الحالة الثانية نحن نواجه ظاهرة تقنين حقيقيّة ولو كان مبرّر أصل وجودها هو العنوان الثانوي ، إذ هذا مغايرٌ لحالة مجرّد عمليّة تطبيق لعنوان على واقع .
وعلى أيّة حال ، فهذا التوجّه هو ما يُنسب للسيد الخميني في أواخر حياته في بعض النصوص التي ألمحنا لبعضها آنفاً فلا نعيد ، ووفقاً لهذا الفهم ونتيجته - مع أسبابٍ اخَر - وقع نزاع داخل نظريّة الولاية العامّة للفقيه ، يدور حول سمة الإطلاق في الولاية هذه المرّة ، لا حول سمة العموميّة ؛ فإنّ سمة العموميّة سمة تقع في مقابل القائلين بخصوصيّة الولايّة ، والذين يرون الولاية خاصّةً بموارد محدودة كالأمور الحسبية بالتفسير المحدود لها ، ومن ثم فمن يقول بالولاية الخاصّة لا يؤمن بالولاية العامّة المطروحة اليوم بشكلها الواسع ، لكن من يؤمن بالولاية العامّة - انطلاقاً من الأدلّة النصيّة أو غيرها - ينفتح أمامه سؤال الإطلاق ، بمعنى أنّ هذه الولاية العامّة هل هي مطلقة أو لا ؟
وسؤال الإطلاق في الولاية - حتى لو فهمناه في سياقٍ خارج عن نظرية ولايّة الفقيه - ينفتح ، بل انفتح بالفعل ، على ثلاثة صعد :
الصعيد الأوّل : الإطلاق مقابل التقييد بالانتخاب ، وهذا معناه أنّ القائل بالولاية المقيّدة ،
شمول الشريعة — صفحة 328
مساهمون: حيدر حب الله
ص٣٢٨