تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شمول الشريعة — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
وكأنّي بالمحقّق النجفي شعر بأنّه من الصعب أن يقبل الجميع بفكرة حكم الحاكم خارج إطار النشاط القضائي ؛ فأراد أن يُبدي نوعاً من العمل القضائي القائم على فكرة التنازع ، بواسطة الانتقال من تنجّز التنازع إلى ترقّبه المستقبلي ، وبهذا يمكنه أن يحافظ على السياق القضائي لنصوص جعل الحاكميّة للحاكم ، ويكون الموقف أشبه بما يُعرف في القانون الوضعي الحديث بالأحكام القضائيّة الاستباقيّة أو التدابير والقوانين الوقائيّة أو التدابير الاحترازيّة أو تدابير الأمن ، كحكم القاضي بحبس مجنونٍ في مصحّة معيّنة ، بهدف الحيلولة دون ارتكابه جريمةً بعد تخوّف جيرانه على أطفالهم منه ، فإنّ الحكم صدر هنا دون قيام المجنون بأيّ جريمة ، ودون وجود تنازع حقيقي ناجز ، لكنّه حكم استباقي وقائي يهدف لحماية أمن المواطنين وعدم وقوع الجريمة أو التنازع أو غير ذلك .

4 - 2 - تحوّلات مفهوم الحكم الحكومي في القرن العشرين ، من الإنفاذ إلى التقنين

إلى هنا ، كنّا نلاحظ أنّ الفقه الإسلامي ما يزال يتعامل بشكلٍ مختصر - قريب للقضاء - مع موضوع حكم الحاكم ، ولا يبدو منه أنّه يفهمه على شكل سنّ قوانين ، كما هي الحالة التي نعالجها في بحثنا هنا ، لكن وبدخولنا فضاء القرن العشرين بدأنا نجد تنامياً لدور الحاكم وسعياً لمزيد تعميق لفكرة حكمه ، وربما يكون ذلك بسبب ظهور الحركات السياسيّة الإسلاميّة ، وظهور الدول التي أعلنت فكرة تطبيق الشريعة ، الأمر الذي فرض تحدّيات أوجبت تناول آليّات إدارة الاجتماع السياسي ، ومن ثمّ فرضت دراسة أكثر عمقاً لطبيعة دور القيادة السياسية والاجتماعيّة للدولة والمجتمع ، وهويّة وقيمة قراراتها ، ومديات حاجاتها لسنّ قوانين مكمّلة أو مساعدة لإدارة الحياة . ولعلّ - أيضاً - لتطوّر مفهوم الدولة ، وظهور الدولة الحديثة ( الدولة المتدخّلة ) في مقابل الدولة القديمة ( الدولة الحارسة ) دورٌ في ذلك . إنّ مفهوم حكم الحاكم أو فلنقل : دور الحاكم في إدارة المجتمع ، يبدو أنّه انتقل بشكل واضح في القرن العشرين عند بعض العلماء والمفكّرين من مرحلة الإجراء وتسييل الأحكام الشرعيّة على أرض الواقع ، إلى مرحلة سنّ القوانين ووضع البرامج الهادفة لإدارة المجتمع ، إلى جانب إجراء القوانين الأصليّة الشرعيّة وفقاً لثنائيّة الحكم الأوّلي والثانوي ، كما لاحظنا هذا الأمر مع كلمات مثل الميرزا النائيني والسيد الصدر والسيد الخميني والعلامة الطباطبائي